أحمد عاطف — معلّم لغة عربية ومرشد تربوي
أحمد عاطفمعلّم لغة عربية ومرشد تربوي
📞 01094474794

الفصل الرابع عشر

فصل من القصةالصف الحادى عشرالفصل الدراسي الأولص ٩٧ - ١٠٧
🏠 الرئيسية › الثاني الثانوي — الصف الحادى عشر › القصة
📄 ورقة المذاكرة — بالإجابات النموذجية🔎 صفحة ورقة العمل

ملخّص الفصل

تَكَاَمَلَتْ تَجْهِيزَاتُ الْجَيْشِ فِي مِصْرَ لِمُوَاجَهَةِ خَطَرِ التَّتَارِ، وَلَمَّا وَصَلَتْ أَنبَاءُ اهْتِجَامِهِمْ عَلَى غَزَّةَ، عَّزَمَ السُّلْطَانُ الْمُظَفَّرُ قُطُزُ عَلَى الْخُرُوجِ لِقِتَالِهِمْ. وَعِنْدَمَا أَظْهَرَ بَعْضُ الْأَمَرَاءِ التَّلَكُؤَ وَالتَّقَاعُسَ، خَطَبَ فِيهِمْ قُطُزُ بِحَمِيَّةٍ وَثَبَاتٍ وَقَالَ: «أَنَا أَلْقَى التَّتَارَ بِنَفْسِي!»، فَاسْتَحْيَا الْأَمَرَاءُ وَرَكِبُوا مَعَهُ. أَرْسَلَ قُطُزُ الْأَمِيرَ بَيْبَرْسَ فِي الطَّلِيعَةِ، فَنَاوَشَ التَّتَارَ فِي غَزَّةَ وَهَزَمَهُمْ وَطَرَدَهُمْ مِنْهَا، ثُمَّ لَحِقَ بِهِ السُّلْطَانُ وَانْضَمَّتْ إِلَيْهِمَا السُّلْطَانَةُ جُلَّنَارُ مُتَخَفِّيَةً فِي مَلَابِسِ الْفُرْسَانِ لِتَكُونَ بِجَانِبِ زَوْجِهَا وَتَحْمِيَهُ.

الْتَقَى الْجَيْشَانِ فِي مَعْرَكَةِ «عَيْنِ جَالُوتَ» الْحَاسِمَةِ، وَدَارَ قِتَالٌ شَرِسٌ اسْتَبْسَلَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ. وَفِي لَحَظَاتٍ حَرَجَةٍ هَجَمَ فُرْسَانٌ مِنَ التَّتَارِ عَلَى قُطُزَ، فَبَرَزَ فَاِرِسٌ مُلَثَّمٌ (جُلَّنَارُ) وَأَنْقَذَ السُّلْطَانَ مِنَ الْمَوْتِ الْمُحَقَّقِ لَكِنَّهُ أُصِيبَ بِجِرَاحٍ بَالِغَةٍ، وَحِينَ سَقَطَتْ جُلَّنَارُ وَاكْتَشَفَ قُطُزُ حَقِيقَتَهَا، قَالَتْ لَهُ قَبْلَ اسْتِشْهَادِهَا: «لَا تَقُلْ وَا حَبِيبَتَاهْ.. بَلْ قُلْ وَا إِسْلَامَاهْ». ثَارَتْ حَمِيَّةُ قُطُزَ فَقَاتَلَ حَاسِرَ الرَّأْسِ يَصِيحُ «وَا إِسْلَامَاهْ»، فَتَجَمَّعَ حَوْلَهُ الْمُسْلِمُونَ وَهَزَمُوا التَّتَارَ هَزِيمَةً سَاحِقَةً وَقُتِلَ قَائِدُهُمْ كِتْبُغَا، وَخَرَّ قُطُزُ سَاجِدًا لِلَّهِ شُكْرًا مَعَ بُكَائِهِ وَنَحِيبِهِ عَلَى الشُّهَدَاءِ وَعَلَى حَبِيبَتِهِ جُلَّنَارَ.

فصل من القصة — ص ٩٧ - ١٠٧

قبل أن نقرأ

يتوقع من الفصل معرفة أحداث معركة عين جالوت الحاسمة ودور قطز وجلنار في تحقيق النصر على التتار.

  • كيف واجه السلطان قطز تردد بعض الأمراء وتقاعسهم عن الخروج لقتال التتار؟
  • ما البطولات التي شهدتها معركة عين جالوت وكيف انتهت بانتصار المسلمين واستشهاد جلنار؟

الفقرة 1

قَضَى الْمَلِكُ الْمُظَفَّرُ عَشَرَةَ أَشْهُرٍ مِنْ مُلْكِهِ لَمْ يَعْرِفْ لِلرَّاحَةِ طَعْمًا، بَلْ أَمْضَى سَاعَاتِهَا كُلَّهَا بِجُهُودٍ تَنُوءُ بِهَا الْعُصْبَةُ أُولُو الْقُوَّةِ. فَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُوَطِّدَ أَرْكَانَ عَرْشِهِ، بَيْنَ عَوَاصِفِ الْفِتَنِ وَزَعَازِعِ الْمُؤَامَرَاتِ، وَيُدَبِّرَ مُلْكَهُ، وَيَقْضِيَ عَلَى عَنَاصِرِ الْفَوْضَى وَالاضْطِرَابِ، وَيَضْرِبَ عَلَى أَيْدِي الْمُفْسِدِينَ وَالدَّسَّاسِينَ، وَيَقْبِضَ بِيَدٍ قَاهِرَةٍ عَلَى أَزِمَّةِ السِّيَاسَةِ الْجَامِحَةِ، وَيُعَالِجَ الْأُمَرَاءَ الْمَمَالِيكَ، وَيَسْتَعْمِلَ مَعَ بَعْضِهِمُ اللِّينَ وَمَعَ آخَرِينَ الشِّدَّةَ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُقَوِّيَ الْجَيْشَ، وَيُضَاعِفَ عَدَدَهُ، وَأَسْلِحَتَهُ وَعَتَادَهُ، وَيَجْمَعَ لَهُ الْمُؤَنَ وَالذَّخَائِرَ وَالْأَقْوَاتَ، وَيُحَصِّلَ لِذَلِكَ كُلِّهِ الْأَمْوَالَ الْكَافِيَةَ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُسْكِنَ الْقُلُوبَ الْوَجِلَةَ مِنْ قُدُومِ التَّتَارِ، وَيَنْفُخَ فِيهَا رُوحَ الْعَزْمِ عَلَى مُقَاوَمَتِهِمْ عَلَى كَثْرَةِ الْمُخَذِّلِينَ مِنَ الْأُمَرَاءِ، الْمُعَوِّقِينَ عَنْ قِتَالِهِمْ، الدَّاعِينَ إِلَى مُسَالَمَتِهِمْ وَالْخُضُوعِ لَهُمْ، وَلَوْلَا مَا خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ قُوَّةِ الْبِنْيَةِ، وَمَتَانَةِ الْأَعْصَابِ، وَمَضَاءِ الْعَزِيمَةِ وَصَرَامَةِ الْإِرَادَةِ، وَصِدْقِ الْإِيمَانِ، وَالْعَقِيدَةِ الْقَوِيَّةِ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ هَيَّأَهُ وَأَعَدَّهُ لِلْقِيَامِ بِكَسْرِ التَّتَارِ وَطَرْدِهِمْ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، لَمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يُنْجِزَ فِي بِضْعَةِ أَشْهُرٍ، مَا يَعْجَزُ غَيْرُهُ عَنِ الْقِيَامِ بِبَعْضِهِ فِي بِضْعِ سَنَوَاتٍ، فَقَدْ خَلَقَ الْجَيْشَ الْمِصْرِيَّ خَلْقًا جَدِيدًا، وَنَفَخَ فِيهِ رُوحَ الْفِدَاءِ وَالاسْتِمَاتَةِ فِي الدِّفَاعِ عَنِ الدِّينِ وَالْوَطَنِ، وَأَفَاضَ عَلَيْهِ مِنْ شَجَاعَتِهِ وَحَمَاسَتِهِ، فَإِذَا هُوَ يَتَوَقَّدُ حَمَاسَةً لِلْقِتَالِ، وَيَحِنُّ شَوْقًا لِلْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَدِ اسْتَطَاعَ أَنْ يُنْزِلَ السَّكِينَةَ وَالطَّمَأْنِينَةَ فِي قُلُوبِ سَوَادِ النَّاسِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ تَرْجُفُ هَلَعًا مِنْ ذِكْرِ التَّتَارِ، وَأَنْ يَبْذُرَ فِيهَا الثِّقَةَ وَالْيَقِينَ بِأَنَّ مِصْرَ سَتَفْلَحُ فِي رَدِّ غَارَاتِ التَّتَارِ عَنْهَا، بَلْ طَرْدِهِمْ مِنْ بِلَادِ الشَّامِ، كَمَا أَفْلَحَتْ مِنْ قَبْلُ فِي رَدِّ الصَّلِيبِيِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ.
الفكرة الرئيسة
جهود السلطان قطز العظيمة في تنظيم الدولة وإعداد الجيش وإعادة الثقة للناس.
  • تَنُوءُ: تَثْقُلُ وَتَعْجَزُ عَنْ حَمْلِهِ
  • الْوَجِلَةَ: الْخَائِفَةَ

الفقرة 2

وَكَانَتْ زَوْجَتُهُ وَحَبِيبَتُهُ السُّلْطَانَةُ جُلَّنَارُ تَشُدُّ أَزْرَهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَتُشَجِّعُهُ عَلَى الْمَضِيِّ فِي هَذِهِ السَّبِيلِ الْوَعِرَةِ. فَكَانَتْ تَسْهَرُ اللَّيْلَ مَعَهُ، وَتُشَاطِرُهُ هُمُومَهُ وَآلَامَهُ، وَتَمْسَحُ بِيَدِهَا الرَّقِيقَةِ شَكْوَاهُ، كُلَّمَا ضَاقَ صَدْرُهُ بِتَخَاذُلِ الْأُمَرَاءِ عَنْ طَاعَتِهِ، وَنَيْلِهِمْ مِنْهُ فِي مَغِيبِهِ، وَنِفَاقِهِمْ لَهُ فِي مَشْهَدِهِ، وَإِلْقَائِهِمُ الْعَوَاثِيرَ فِي طَرِيقِهِ. وَكَانَ رُبَّمَا أَنْسَاهُ انْهِمَاكُهُ فِي عَمَلِهِ الدَّائِبِ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ فَعُنِيَتْ بِتَقْدِيمِهِمَا بِنَفْسِهَا إِلَيْهِ، وَإِذَا أَنْهَكَهُ السَّهَرُ فِي أَعْقَابِ اللَّيْلِ، قَامَتْ إِلَيْهِ، فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ وَقَادَتْهُ إِلَى فِرَاشِهِ، لِيَأْخُذَ نَصِيبَهُ مِنْ نَوْمِهِ وَرَاحَتِهِ. وَكَانَتْ لَا تَفْتَأُ تَمْلَأُ قَلْبَهُ بِالْفَوْزِ فِيمَا نَدَبَ نَفْسَهُ لِلْقِيَامِ بِهِ، فَيَزْدَادُ يَقِينُهُ وَيَتَضَاعَفُ إِيمَانُهُ، وَكَانَتْ تَقُولُ لَهُ: «إِنِّي سَأَخْرُجُ مَعَكَ إِلَى مَيْدَانِ الْقِتَالِ، لِأَرَى مَصَارِعَ الْأَعْدَاءِ بِعَيْنِي فَيَشْفَى بِذَلِك صَدْرِي»؛ فَيَقُولُ لَهَا: «أَخْشَى عَلَيْكِ يَا حَبِيبَتِي مِنْ سِهَامِهِمْ»، فَتَقُولُ لَهُ: «لَا تَخْشَ عَلَيَّ سَأَكُونُ وَرَاءَ الْجَيْشِ فِي مَأْمَنٍ مِنْ سِهَامِهِمْ وَكَرَّاتِهِمْ».
الفكرة الرئيسة
دور السلطانة جلنار في مساندة زوجها قطز والوقوف بجانبه وإصرارها على الخروج للقتال.
  • تُشَاطِرُهُ: تُقَاسِمُهُ
  • الْعَوَاثِيرَ: الْعَقَبَاتِ وَالْمَصَاعِبَ

الفقرة 3

أَمَا تَخَافِينَ أَنْ يَخْلُصُوا إِلَيْكِ فِي أَثْنَاءِ الْكَرِّ وَالْفَرِّ، فَتَقَعِي أَسِيرَةً فِي أَيْدِيهِمْ؟ - أَنَا ابْنَةُ جَلَالِ الدِّينِ لَا يَخْلُصُونَ إِلَيَّ وَجَوَادِي مَعِي يَنْجُو بِي مِنْهُمْ، أَمَا تَذْكُرُ يَا مَحْمُودُ أَيَّامَ كُنَّا نَتَبَارَى عَلَى جَوَادَيْنَا، فَتَسْبِقُنِي حِينًا وَحِينًا أَسْبِقُكَ؟ فَيَضْحَكُ الْمَلِكُ الْمُظَفَّرُ وَيُعَانِقُهَا قَائِلًا: «أَجَلْ أَذْكُرُ ذَلِكَ يَا جِهَادُ! كَيْفَ أَنْسَى تِلْكَ الْأَيَّامَ السَّعِيدَةَ؟».
الفكرة الرئيسة
شجاعة جلنار واسترجاع ذكريات الطفولة مع قطز.
  • الْكَرِّ وَالْفَرِّ: الْهُجُومِ وَالرُّجُوعِ فِي الْقِتَالِ
  • نَتَبَارَى: نَتَسَابَقُ وَنَتَنَافَسُ

الفقرة 4

وَرَأَى الْمَلِكُ الْمُظَفَّرُ عِنْدَمَا انْسَلَخَ الشَّهْرُ الْعَاشِرُ مِنْ حُكْمِهِ أَنْ قَدْ تَكَامَلَ جَيْشُهُ وَأَصْبَحَ كَافِيًا بِحَوْلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ لِمُلَاقَاةِ التَّتَارِ. فَأَرَادَ أَنْ يَنْتَظِرَ بِهِمْ شَهْرَ رَمَضَانَ، حَتَّى إِذَا انْقَضَى تَحَرَّكَ بِجَيْشِهِ لِقِتَالِهِمْ، وَلَكِنَّ حَرَكَاتِ التَّتَارِ صَوْبَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ كَانَتْ أَسْرَعَ مِنْ أَنْ تَدَعَ لَهُ انْتِظَارَ شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى يَنْقَضِيَ. فَقَدْ وَرَدَتِ الْأَنْبَاءُ بِأَنَّ طَلَائِعَهُمْ قَدْ بَلَغَتْ غَزَّةَ وَبَلَدَ الْخَلِيلِ، فَقَتَلُوا الرِّجَالَ، وَسَبَوُا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ، وَنَهَبُوا الْأَسْوَاقَ، وَسَلَبُوا الْأَمْوَالَ، وَارْتَكَبُوا الْفَظَائِعَ كَعَادَتِهِمْ، فَلَمْ يَسَعِ السُّلْطَانَ إِلَّا الْعَزْمُ عَلَى الْإِسْرَاعِ لِمُلَاقَاتِهِمْ وَالتَّعْجِيلُ بِالْخُرُوجِ.
الفكرة الرئيسة
وصول طلائع التتار إلى غزة والخليل وعزم قطز على التعجيل بالخروج لملاقاتهم.
  • انْسَلَخَ: انْتَهَى وَانْقَضَى
  • سَبَوْا: أَسَرُوا

الفقرة 5

وَكَانَ شَهْرُ رَمَضَانَ قَدْ دَخَلَ، وَصَامَ النَّاسُ بِضْعَةَ أَيَّامٍ مِنْهُ، حِينَمَا نُودِيَ، فِي الْقَاهِرَةِ وَسَائِرِ مُدُنِ الْقِطْرِ الْمِصْرِيِّ وَقُرَاهُ، بِالْخُرُوجِ إِلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَنُصْرَةِ دِينِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. تَرَدَّدَ هَذَا النِّدَاءُ الْعَظِيمُ فِي جَمِيعِ أَرْجَاءِ الْقِطْرِ، فَخَالَطَ النَّاسَ شُعُورٌ عَجِيبٌ، لَمْ يَعْهَدُوا لَهُ مَثِيلًا مِنْ قَبْلُ، وَأَحَسُّوا كَأَنَّهُمْ خَلْقٌ آخَرُ غَيْرُ مَا كَانُوا وَأَنَّهُمْ يَعِيشُونَ فِي عَصْرٍ غَيْرِ عَصْرِهِمْ ذَاكَ - فِي عَهْدٍ مِنْ عُهُودِ الْإِسْلَامِ الْأُولَى حِينَ كَانَ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَلَبُّونَ دَعْوَةَ الرَّسُولِ عليه الصلاة والسلام، فَيَنْفِرُونَ خِفَافًا وَثِقَالًا، يُجَاهِدُونَ مَعَهُ الْمُشْرِكِينَ، وَيَبْتَغُونَ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ، النَّصْرَ أَوْ الشَّهَادَةَ، حَتَّى يَجْعَلُوا كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى، وَكَلِمَةَ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا. وَطَغَى هَذَا الشُّعُورُ عَلَى جَمِيعِ طَبَقَاتِ الْعَامَّةِ، حَتَّى كَفَّ الْفَسَقَةُ عَنْ ارْتِكَابِ مَعَاصِيهِمْ، وَامْتَنَعَ الْمُدْمِنُونَ عَنْ شُرْبِ الْخُمُورِ، وَامْتَلَأَتِ الْمَسَاجِدُ بِالْمُصَلِّينَ، وَلَمْ يَبْقَ لِلنَّاسِ فِي الْبُيُوتِ وَالْأَنْدِيَةِ وَالْمَسَاجِدِ وَالطُّرُقَاتِ مِنْ حَدِيثٍ إِلَّا حَدِيثُ الْجِهَادِ!
الفكرة الرئيسة
التعبئة الشعبية والروح الإيمانية العالية في مصر عقب النداء للجهاد في رمضان.
  • يَنْفِرُونَ: يَسْرُعُونَ وَيَخْرُجُونَ لِلْجِهَادِ
  • الْحُسْنَيَيْنِ: النَّصْرِ أَوْ الشَّهَادَةِ

الفقرة 6

وَأَمَرَ الْمَلِكُ الْمُظَفَّرُ الْأُمَرَاءَ وَالْقُوَّادَ بِدَعْوَةِ أَجْنَادِهِمْ، وَإِعْدَادِهِمْ لِلْمَسِيرِ إِلَى الصَّالِحِيَّةِ وَأَنْ يُضْرَبَ بِالْمَقَارِعِ كُلُّ مَنْ وُجِدَ مُخْتَفِيًا مِنْهُمْ، وَتَقَدَّمَ هُوَ بِالْمَسِيرِ، حَتَّى نَزَلَ بِالصَّالِحِيَّةِ يَنْتَظِرُ تَكَامُلَ الْجُنُودِ، فَلَمَّا تَكَامَلَتْ طَلَبَ الْأُمَرَاءَ، وَكَانَ قَدْ آنَسَ ازْوِرَارًا مِنْ جَانِبِهِمْ، وَمَيْلًا إِلَى الْقُعُودِ وَالتَّخَلُّفِ، فَتَكَلَّمَ مَعَهُمْ فِي الرَّحِيلِ لِلِقَاءِ الْعَدُوِّ، فَأَبَى ذَلِك عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ كَبِيرَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ، كَانُوا قَدْ تَعَاقَدُوا عَلَى عِصْيَانِ الْمَلِكِ الْمُظَفَّرِ وَاعْتَذَرُوا لَهُ بِأَنَّ الرَّأْيَ هُوَ أَنْ يَبْقَوْا هُنَالِك حَتَّى تَأْتِيَ جُمُوعُ التَّتَارِ فَيَصُدُّوهَا عَنِ الْبِلَادِ، فَغَضِبَ الْمَلِكُ غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى انْعَقَدَ لِسَانُهُ وَلَمْ يَسْتَطِعِ الْكَلَامَ بَرْهَةً مِنَ الزَّمَنِ، ثُمَّ انْفَجَرَ يُخَاطِبُهُمْ قَائِلًا: «بِئْسَ الرَّأْيُ الضَّعِيفُ رَأْيُكُمْ! أَمَا وَاللَّهِ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى هَذَا إِلَّا الْجُبْنُ وَالْهَلَعُ مِنْ سُيُوفِ التَّتَارِ أَنْ تَقْطَعَ رِقَابَكُمْ هَذِهِ الَّتِي سَمِنَتْ مِنْ أَمْوَالِ الْأُمَّةِ؟ أَلَمْ تَعْلَمُوا يَا أُمَرَاءَ السُّوءِ أَنَّهُ مَا غُزِيَ قَوْمٌ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلَّا ذَلُّوا؟ يَا أُمَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ! لَكُمْ زَمَانٌ تَأْكُلُونَ أَمْوَالَ بَيْتِ الْمَالِ، وَأَنْتُمْ لِلْقِتَالِ كَارِهُونَ، وَمَا أَشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالْبَارِحَةِ! وَمَا أَشْبَهَكُمْ بِأُولَئِكَ الْمُنَافِقِينَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إِذْ يَقُولُ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. وَاللَّهِ لَأَتَوَجَّهَنَّ بِمَنْ مَعِي لِقِتَالِ أَعْدَاءِ اللَّهِ، فَمَنِ اخْتَارَ الْجِهَادَ مِنْكُمْ فَلْيَصْحَبْنِي، وَمَنْ لَمْ يَشَأْ فَلْيَرْجِعْ إِلَى بَيْتِهِ غَيْرَ مَأْسُوفٍ عَلَيْهِ، فَإِنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ، وَتَبِعَةُ حَرِيمِ الْمُسْلِمِينَ فِي رِقَابِكُمْ!».
الفكرة الرئيسة
مواجهة قطز الحازمة لتخاذل الأمراء وتذكيرهم بواجب الدفاع عن الأمة.
  • ازْوِرَارًا: إِعْرَاضًا وَامْتِنَاعًا
  • خَبَالًا: فَسَادًا وَضَعْفًا

الفقرة 7

وَكَانَ السُّلْطَانُ قَدْ أَمَرَ الْأَمِيرَ بَيْبَرْسَ أَنْ يَتَقَدَّمَ فِي جَمْعٍ مِنَ الْجُنُودِ لِيَكُونَ طَلِيعَةً يَعْرِفُ لَهُ أَخْبَارَ التَّتَارِ، فَسَارَ بَيْبَرْسُ وَالْجَمْعُ الَّذِي مَعَهُ سَيْرًا حَثِيثًا حَتَّى وَصَلَ غَزَّةَ وَبِهَا طَلَائِعُ التَّتَارِ. فَنَاوَشَهُمُ الْقِتَالَ فَانْهَزَمُوا، إِذْ ظَنُّوا أَنَّ وَرَاءَهُ جَيْشًا عَظِيمًا وَتَرَاكُوا لَهُ غَزَّةَ فَدَخَلَهَا وَنَزَلَ فِيهَا بِجَمْعِهِ حَتَّى وَافَاهُ السُّلْطَانُ بِالْجُنُودِ فَأَقَامَ فِيهَا يَوْمًا يَسْتَجِمُّ وَيُدَبِّرُ الْخُطَطَ. وَهُنَاكَ وَافَتْهُ السُّلْطَانَةُ جُلَّنَارُ رَاكِبَةً عَلَى جَوَادِهَا وَهِيَ بِمَلَابِسِ الْفُرْسَانِ مِنَ الْأُمَرَاءِ إِلَّا قِنَاعًا مِنَ الْحَرِيرِ الْأَسْوَدِ مَسْدُولًا عَلَى وَجْهِهَا لَوْلَاهُ لَقَلَّ مَنْ يَسْتَطِيعُ تَمْيِيزَهَا عَنْهُمْ وَتَصْحَبُهَا جَارِيَتَانِ حَبَشِيَّتَانِ عَلَى بَغْلَتَيْهِمَا، وَيَسِيرُ حَوْلَهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْعَبِيدِ السُّودِ يَحْرُسُونَهَا وَيَقُومُونَ بِخِدْمَتِهَا، فَضَرَبَ لَهَا السُّلْطَانُ خَيْمَةً خَاصَّةً بِجَانِبِ خَيْمَتِهِ.
الفكرة الرئيسة
انتصار طليعة بيبرس في غزة وانضمام السلطانة جلنار متخفية إلى الجيش.
  • نَاوَشَهُمْ: بَادَرَهُمْ بِالْقِتَالِ وَالْخِفَافِ
  • يَسْتَجِمُّ: يَسْتَرِيحُ وَيَسْتَعِيدُ قُوَّتَهُ

الفقرة 8

وَوَصَلَ كِتْبُغَا قَبْلَ الزَّوَالِ بِسَاعَةٍ فَمَا لَبِثَ أَنْ رَتَّبَ جُنُودَهُ وَسَاقَهَا لِلِقَاءِ الْمَلِكِ الْمُظَفَّرِ، وَكَانَ الْمَلِكُ الْمُظَفَّرُ إِذْ ذَاكُ قَدْ عَبَّأَ جُنُودَهُ فِي مَوَاقِعِهِمْ، فَجَعَلَ الْأَمِيرَ رُكْنَ الدِّينِ بَيْبَرْسَ عَلَى مَيْسَرَتِهِ، وَالْأَمِيرَ بَهَادِرَ الْمُعِزِّيَّ عَلَى مَيْمَنَتِهِ، وَكَانَ هُوَ عَلَى الْقَلْبِ وَحَوْلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَبْطَالِهِ وَمَمَالِيكِهِ، بَيْنَهُمُ الصَّبِيُّ «التَّتَرِيُّ» الَّذِي كَانَ اسْتَبْقَاهُ مِنْ رُسُلِ التَّتَارِ، وَاتَّخَذَهُ مَمْلُوكًا لَهُ، وَوَكَّلَ بِهِ مَنْ يُعَلِّمُهُ فَرَائِضَ الدِّينِ، فَكَانَ يَسِيرُ مَعَهُ لَا يَكَادُ يُفَارِقُهُ. وَكَانَ الْمَلِكُ الْمُظَفَّرُ يُحِبُّهُ لِذَكَائِهِ وَفِطْنَتِهِ، وَيَقُولُ لَهُ: أَنْتَ مَلِكُ التَّتَارِ، فَكَانَ رِجَالُ الْمُظَفَّرِ يَدْعُونَهُ دَائِمًا مَلِكَ التَّتَارِ، وَكَانَ الصَّبِيُّ يَزْهُو بِذَلِك فَيَضْحَكُونَ لَهُ.
الفكرة الرئيسة
تنظيم الجيشين في عين جالوت وتوزيع قيادات الجيش المصري.
  • عَبَّأَ: رَتَّبَ وَجَهَّزَ الْجُيُوشَ
  • يَزْهُو: يَفْخَرُ وَيَعْتَزُّ

الفقرة 9

وَمَا لَبِثَ الْجَيْشَانِ أَنْ تَقَارَبَا، فَأَخَذَتْ سِهَامُ التَّتَارِ تَمْرُقُ فِي صُفُوفِ جَيْشِ الْمَلِكِ الْمُظَفَّرِ فَتَجْرَحُ وَتَقْتُلُ فِيهِ. فَلَمَّا اشْتَدَّ ذَلِك عَلَى الْجُنْدِ أَمَرَ السُّلْطَانُ رِجَالَهُ بِالْهُجُومِ عَلَيْهِمْ، فَانْدَفَعُوا إِلَى الْأَمَامِ، حَتَّى تَصَافَحَتِ الصُّفُوفُ الْأَمَامِيَّةُ مِنْ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ بِالسُّيُوفِ. وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ وَاسْتَبْسَلَ الْفَرِيقَانِ اسْتِبْسَالًا عَظِيمًا، وَاسْتَحَرَّ فِيهِمَا الْقِتَالُ، إِلَّا أَنَّ الْجُنْدَ كَانُوا لِذَلِك الْحِينِ ظَاهِرِينَ عَلَى أَعْدَائِهِمْ. وَكَانَ الْمَلِكُ الْمُظَفَّرُ فِي وَسَطِ الْقَلْبِ يَنْظُرُ إِلَى الْقِتَالِ بِصَدْرٍ مُنْشَرِحٍ كَأَنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرَى أَصْحَابَهُ يَهْجُمُونَ عَلَى التَّتَارِ بَعْدَ أَنْ كَانُوا يَخْشَوْنَ لِقَاءَهُمْ وَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يُغْلَبُونَ لِكَثْرَةِ مَا سَمِعُوا مِنْ أَخْبَارِ شَجَاعَتِهِمْ وَتَوَحُّشِهِمْ وَهُوَ يَدْفَعُ أَبْطَالَهُ وَيَحُضُّ رِجَالَهُ عَلَى التَّقَدُّمِ.
الفكرة الرئيسة
بدء الالتحام في عين جالوت وزوال رهبة التتار من نفوس المسلمين.
  • تَمْرُقُ: تَخْرُقُ وَتَنْفُذُ بِسُرْعَةٍ
  • اسْتَحَرَّ: اشْتَدَّ وَاشْتَعَلَ

الفقرة 10

وَكَانَتِ السُّلْطَانَةُ جُلَّنَارُ قَدْ جَعَلَتْ هَمَّهَا حِمَايَةَ زَوْجِهَا مِنَ الْغِيلَةِ، فَجَعَلَتْ تُلَاحِظُهُ وَهِيَ عَلَى جَوَادِهَا مِنْ تَلٍّ مُرْتَفِعٍ خَلْفَ السُّلْطَانِ، وَتُرَاقِبُ مَنْ حَوْلَهُ فَرَأَتْ خَمْسَةَ فُرْسَانٍ مِنَ التَّتَارِ انْدَفَعُوا كَالْسَّهْمِ إِلَى جِهَةِ السُّلْطَانِ، فَوُجِئَ السُّلْطَانُ وَدُهِشَ، وَفُوجِئَ مَنْ حَوْلَهُ مِنَ الرِّجَالِ فَاضْطَرَبُوا، وَلَكِنَّ السُّلْطَانَ تَلَقَّاهُمْ بِسَيْفِهِ فَجَنْدَلَ ثَلَاثَةً مِنْهُمْ. وَإِذَا بِفَارِسٍ تَتَرِيٍّ آخَرَ قَدْ رَمَى السُّلْطَانَ بِسَهْمٍ مِنْ خَلْفِهِ فَأَخْطَأَهُ وَأَصَابَ الْفَرَسَ فَتَرَدَّى الْفَرَسُ وَسَقَطَ السُّلْطَانُ، وَقَصَدَهُ الْفَارِسَانِ التَّتَرِيَّانِ، فَجَعَلَ يَحِيصُ عَنْهُمَا، ثُمَّ قَصَدَ أَحَدَهُمَا فَضَرَبَ قَوَائِمَ فَرَسِهِ فَوَقَعَتْ بِهِ، وَكَادَ الْفَارِسُ التَّتَرِيُّ الْآخَرُ يَعْلُو السُّلْطَانَ بِسَيْفِهِ لَوْ لَمْ يَبْرُزْ لَهُ فَارِسٌ مُلَثَّمٌ شَغَلَهُ عَنْ ذَلِك، فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ بِالسَّيْفِ فَخَرَّا صَرِيعَيْنِ. وَصَاحَ الْفَارِسُ الْمُلَثَّمُ: «صُنْ نَفْسَكَ يَا سُلْطَانَ الْمُسْلِمِينَ! هَا أَنَا قَدْ سَبَقْتُكَ إِلَى الْجَنَّةِ!». وَكَانَ هَذَا الْفَارِسُ قَبْلَ ذَلِك قَدْ أَطَارَ رَأْسَ الْفَارِسِ التَّتَرِيِّ.
الفكرة الرئيسة
إنقاذ الفارس الملثم (جلنار) للسلطان قطز من طعنة تترية غادرة واستشهاده.
  • جَنْدَلَ: صَرَعَ وَقَتَلَ
  • يَحِيصُ: يَحِيدُ وَيَمِيلُ لِلْمُرَاوَغَةِ

الفقرة 11

وَكَانَ فُرْسَانُ الْحَرَسِ السُّلْطَانِيِّ قَدْ ثَابَ إِلَيْهِمْ رُشْدُهُمْ إِذْ ذَاكُ فَاجْتَمَعُوا حَوْلَ السُّلْطَانِ وَقَبَضُوا عَلَى الْفَارِسِ الَّذِي ضَرَبَ السُّلْطَانُ قَوَائِمَ فَرَسِهِ فَقَتَلُوهُ، وَسَدُّوا الثَّغْرَةَ الْأَمَامِيَّةَ وَتَكَاثَفُوا فِيهَا دُونَ السُّلْطَانِ فَلَمْ يَدَعُوا أَحَدًا يَقْتَرِبُ مِنْهُ، وَتَذَكَّرَ السُّلْطَانُ صَوْتَ الْفَارِسِ الْمُلَثَّمِ فَارْتَابَ فِي أَمْرِهِ فَقَصَدَ إِلَيْهِ وَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ فَإِذَا السُّلْطَانَةُ جُلَّنَارُ وَهِيَ تَجُودُ بِنَفْسِهَا، فَهَالَهُ الْأَمْرُ وَحَمَلَهَا وَهُوَ لَا يَعْقِلُ مَا يَفْعَلُ، وَبَعَثَ إِلَى بَيْبَرْسَ وَهُوَ عَلَى الْمَيْسَرَةِ لِيَحُلَّ مَحَلَّهُ فِي الْقَلْبِ، وَانْفَتَلَ هُوَ مُنْطَلِقًا إِلَى الْمُخَيَّمِ فَلَقِيَ أَقْطَايَ الْأَتَابَكِ عَلَى الْبَابِ فَقَالَ لَهُ: «لَا تَبْرَحْ هَذِهِ سُلْطَانَتُك جَرِيحَةٌ، فَعَجِّلْ بِالطَّبِيبِ وَالْجَارِيَتَيْنِ». فَذَهَبَ أَقْطَايُ لِيُحْضِرَهُمْ، وَأَضْجَعَهَا السُّلْطَانُ عَلَى فِرَاشِهِ وَجَعَلَ يُقَبِّلُ جَبِينََهَا وَالدُُّمُوعُ تَنْهَمِرُ مِنْ عَيْنَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ لَهَا: «وَا زَوْجَاهْ! وَا حَبِيبَتَاهْ!». فَأَحَسَّتْ بِهِ وَرَفَعَتْ طَرْفَهَا إِلَيْهِ وَقَالَتْ لَهُ بِصَوْتٍ ضَعِيفٍ مُتَقَطِّعٍ وَهِيَ تَجُودُ بِرُوحِهَا فِي السِّيَاقِ: «لَا تَقُلْ وَا حَبِيبَتَاهْ.. قُلْ وَا إِسْلَامَاهْ!». وَمَا لَبِثَتْ أَنْ لَفَظَتِ الرُّوحَ بَيْنَ يَدَيْهِ حِينَ حَضَرَتِ الْجَارِيَتَانِ الْحَبَشِيَّتَانِ مُرْتَاعَتَيْنِ وَخَلْفَهُمَا الطَّبِيبُ. فَطَبَعَ السُّلْطَانُ عَلَى جَبِينِهَا الْقُبْلَةَ الْأَخِيرَةَ، وَمَسَحَ دُمُوعَهُ وَنَهَضَ تَالِرِكًا زَوْجَتَهُ الشَّهِيدَةَ لِلطَّبِيبِ وَالْجَارِيَتَيْنِ يَتَوَلَّوْنَ تَجْهِيزَهَا، وَخَرَجَ مِنَ الْمُخَيَّمِ فَالْتَقَى بِجَوَادٍ طَارَ بِهِ إِلَى سَاحَةِ الْقِتَالِ.
الفكرة الرئيسة
اكتشاف قطز لحقيقة الفارس الملثم واستشهاد جلنار بعد وصيتها الخالدة.
  • تَجُودُ بِنَفْسِهَا: تَخْرُجُ رُوحُهَا وَتَحْتَضِرُ
  • مُرْتَاعَتَيْنِ: خَائِفَتَيْنِ وَمَفْزُوعَتَيْنِ

الفقرة 12

وَكَانَ قَدْ شَاعَ فِي جُنْدِ الْجَيْشِ خَبَرُ مَصْرَعِ السُّلْطَانَةِ جُلَّنَارَ، وَانْتَشَرَ فِيهِمْ كَالنَّارِ فِي الْهَشِيمِ، وَخَالَطَهُمْ مَعَ ذَلِك أَسَفٌ وَوُجُومٌ. وَشَاعَ فِيهِمْ أَيْضًا أَنَّ السُّلْطَانَ احْتَمَلَهَا إِلَى الْمُخَيَّمِ وَتَرَكَ مَكَانَهُ لِلْأَمِيرِ بَيْبَرْسَ. فَلَمَّا رَأَوْهُ عَادَ إِلَى مَحَلِّهِ صَاحُوا جَمِيعًا: «اللَّهُ أَكْبَرُ!». وَتَمَثَّلَتْ لَهُمْ بُطُولَةُ السُّلْطَانَةِ الصَّرِيعَةِ، فَشَعَرُوا بِهَوَانِ أَنْفُسِهِمْ عَلَيْهِمْ، وَحَمَلُوا وَاسْتَبْسَلُوا. وَلَمَّا رَأَى التَّتَارُ ذَلِك - وَكَانُوا قَدْ فَرِحُوا بِغَيْبَةِ السُّلْطَانِ، وَظَنَّ كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَنَّهُ قُتِلَ - حَمُوا أَيْضًا وَاسْتَمَاتُوا فِي الْهُجُومِ، فَاضْطَرَبَتْ مَيْمَنَةُ الْجَيْشِ الَّتِي عَلَيْهَا الْأَمِيرُ بَهَادِرُ، حَتَّى صَارَ صَفُّ الْجَيْشِ خَطًّا مَائِلًا مُقَدَّمَةُ الْمَيْسَرَةِ عَلَيْهَا بَيْبَرْسُ، وَمُؤَخَّرَةُ الْمَيْمَنَةِ الَّتِي انْكَشَفَتْ، حَتَّى تَعَرَّضَ الْقَلْبُ لِهَجَمَاتِ التَّتَارِ الْحَامِيَةِ، وَقَدْ أَدْرَكُوا أَنَّ فِيهِ السُّلْطَانَ فَانْدَفَعُوا لِاخْتِرَاقِهِ، وَضَغَطُوا عَلَيْهِ حَتَّى تَقَهْقَرَ قَلِيلًا، فَكَادَ يُوَازِي الْمَيْمَنَةَ الْمُنْكَشِفَةَ، وَصَارَ الصَّفُّ بِذَلِك أَشْبَهَ بِضِلْعَيْنِ لِزَاوِيَةٍ مُنْفَرِجَةٍ.
الفكرة الرئيسة
أثر خبر استشهاد جلنار وعودة قطز في استبسال المسلمين وضغط التتار الشديد على الميمنة والقلب.
  • الْهَشِيمِ: النَّبَاتِ الْيَابِسِ الْمُنْكَسِرِ
  • تَقَهْقَرَ: تَرَاجَعَ إِلَى الْخَلْفِ

الفقرة 13

وَعِنْدَمَا تَقَدَّمَ السُّلْطَانُ قَلِيلًا إِلَى الْأَمَامِ فَكَشَفَ عَنْ خُوذَتِهِ وَأَلْقَى بِهَا إِلَى الْأَرْضِ وَصَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ ثَلَاثًا: «وَا إِسْلَامَاهْ»، وَحَمَلَ بِنَفْسِهِ وَبِمَنْ مَعَهُ حَمْلَةً صَادِقَةً، وَتَرَدَّدَ صَوْتُهُ هَذَا فِي أَرْجَاءِ الْغَوْرِ فَسَمِعَهُ مُعْظَمُ الْجُنُودِ وَرَدَّدُوهُ مَعَهُ، وَحَمَلُوا حَمْلَةً عَنِيفَةً انْتَعَشَتْ بِهَا الْمَيْمَنَةُ. فَتَقَدَّمَتْ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ مِنْ كَثَافَةِ جُمُوعِ التَّتَارِ الَّذِينَ حَاوَلُوا مِنْهَا أَنْ يَطُوقُوا الْجَيْشَ، وَبَصُرَ السُّلْطَانُ بِكِتْبُغَا قَائِدِ التَّتَارِ، وَقَدْ حَمِيَ وَاسْتَبْسَلَ وَهُوَ يَضْرِبُ بِسَيْفَيْنِ، وَكُلَّمَا عُقِرَ جَوَادُهُ اسْتَبْدَلَ بِهِ جَوَادًا آخَرَ، وَكَأَنَّمَا كَانَ يَتَرَقَّبُ الْفُرْصَةَ لِيَشُقَّ لِبَعْضِ مُقَدَّمِي رِجَالِهِ مُنْفَرَجًا يَصِلُونَ بِهِ إِلَى السُّلْطَانِ.
الفكرة الرئيسة
صرخة قطز التاريخية وا إسلاماه وتحول مجرى المعركة لصالح المسلمين.
  • الْغَوْرِ: الْوَادِي أَوْ الْمَكَانِ الْمُنْخَفِضِ
  • عُقِرَ: جُرِحَ أَوْ قُتِلَ جَوَادُهُ

الفقرة 14

وَكَانَ الْمَلِكُ الْمُظَفَّرُ يُقَاتِلُ قِتَالَ الْمُسْتَمِيتِ حَاسِرَ الرَّأْسِ، وَقَدْ احْمَرَّ وَجْهُهُ وَانْتَفَشَ شَعْرُهُ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قِطْعَةٌ مِنَ اللَّهَبِ يَعْلُوهَا إِعْصَارٌ مِنَ الدُّخَانِ الْأَسْوَدِ، وَكَانَ النَّاظِرُ إِلَيْهِ - وَهُوَ يَتَقَدَّمُ الصُّفُوفَ وَيَضْرِبُ بِسَيْفِهِ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ، فَكُلَّمَا اعْوَجَّ لَهُ سَيْفٌ الْتَمَسَ لَهُ سَيْفًا آخَرَ وَرَمَى بِالْأَوَّلِ فِي وُجُوهِ الْعَدُوِّ، وَكُلَّمَا جَنْدَلَ بَطَلًا مِنْ أَبْطَالِ الْعَدُوِّ صَاحَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ» - يُشْفِقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَشُكُّ فِي أَنَّهُ يَتَعَرَّضُ لِلشَّهَادَةِ، وَأَنَّهُ عَمَّا قَلِيلٍ سَيُصَابُ، فَعَظُمَ ذَلِك عَلَى خَوَاصِّ رِجَالِهِ الْمُخْلِصِينَ لِمَا رَأَوْا مِنْ قِلَّةِ حَذَرِهِ وَتَهَاوُنِهِ بِنَفْسِهِ إِلَى حَدِّ التَّهَوُّرِ، فَعَزَمَ أَبْطَالُهُمْ عَلَى أَنْ يَقُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ مَا اسْتَطَاعُوا، فَكَانَ لَا يَتَقَدَّمُ خَطْوَةً إِلَى الْأَمَامِ إِلَّا تَقَدَّمُوا مَعَهُ مُحِيطِينَ بِهِ فِي نِصْفِ دَائِرَةٍ، فَاسْتَحَرَّ الْقَتْلُ فِيهِمْ وَلَمْ يَثْنِهِمْ ذَلِك عَنِ الاندِفَاعِ مَعَهُ إِلَى حَدِّ التَّهَوُّرِ؛ إِذْ لَا سَبِيلَ لَهُمْ مَعَ ذَلِك إِلَى الْأَخْذِ بِجَانِبِ الْحِيطَةِ وَالْحَذَرِ. وَبَصُرَ السُّلْطَانُ بِسَهْمٍ يُصَوَّبُ نَحْوَهُ فَشَدَّ عَلَى رِجْلَيْهِ، فَنَشَبَ السَّهْمُ فِي صَدْرِ الْجَوَادِ فَتَدَاعَى وَنَزَلَ عَنْهُ السُّلْطَانُ وَمَسَحَ عَرَقَهُ وَهُوَ يَقُولُ: «فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَيُّهَا الرَّفِيقُ الْعَزِيزُ!»، وَاسْتَمَرَّ السُّلْطَانُ يُقَاتِلُ رَاجِلًا وَهُوَ يَصِيحُ: «إِلَيَّ بِجَوَادٍ!» فَأَرَادَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ أَنْ يَنْزِلَ عَنْ فَرَسِهِ فَأَبَى السُّلْطَانُ عَلَيْهِ ذَلِك وَقَالَ لَهُ «اثْبُتْ مَكَانَك مَا كُنْتُ لِأَمْنَعَ الْمُسْلِمِينَ الاِنْتِفَاعَ بِك فِي هَذَا الْوَقْتِ!». وَبَقِيَ يُقَاتِلُ رَاجِلًا حَتَّى جِيءَ لَهُ بِفَرَسٍ مِنَ الْجَنَائِبِ فَالْتَقَاهُ وَتَوَغَّلَ بِشَطْرٍ كَبِيرٍ مِنْ جَيْشِهِ فِيمَا بَيْنَ قَلْبِ الْعَدُوِّ وَمَيْسَرَتِهِ، وَبَعَثَ إِلَى الْأَمِيرِ بَهَادِرَ قَائِدِ الْمَيْمَنَةِ بِمَا عَزَمَ مِنْ تَطْوِيقِ مَيْسَرَةِ الْعَدُوِّ، فَأَمَرَ الْأَمِيرُ بَهَادِرُ رِجَالَهُ بِالِانْتِشَارِ إِلَى الشَّرْقِ فِي اتِّجَاهٍ شَمَالِيٍّ.
الفكرة الرئيسة
شجاعة قطز الفائقة وحمايته من حراسه وإصراره على عدم حرمان مسلم من فرسه أثناء القتال.
  • حَاسِرَ الرَّأْسِ: مَكْشُوفَ الرَّأْسِ بِلاَ خُوذَةٍ
  • الْجَنَائِبِ: الْخُيُولِ الْاحْتِيَاطِيَّةِ الْمَقُودَةِ فِي الْجَيْشِ

الفقرة 15

وَبَقِيَ الْمَلِكُ الْمُظَفَّرُ يَحُثُّ أَصْحَابَهُ عَلَى تَوَسُّعِ الْمَجَالِ الَّذِي اخْتَرَقَهُ فِي صُفُوفِ الْعَدُوِّ؛ لِيُقِيمَ بِذَلِك بَرْزَخًا قَوِيًّا بَيْنَ مَيْسَرَةِ الْعَدُوِّ وَسَائِرِ جَيْشِهِ، فَلَمْ يَزَلِ الْبَرْزَخُ يَتَّسِعُ بِمَا يَنْدَفِعُ فِيهِ مِنْ صُفُوفِ الْجَيْشِ الْمِصْرِيِّ، وَكَانَ الْقِتَالُ أَحْمَى مَا يَكُونُ فِي جَانِبَيِ الْبَرْزَخِ وَلَا سِيَّمَا فِيمَا يَلِي قَلْبَ الْعَدُوِّ، حَيْثُ يُرَى كِتْبُغَا كَبِيرُ التَّتَارِ وَقَدِ اسْتَكْلَبَ فِي الْقِتَالِ وَهُوَ يُقَاتِلُ بِسَيْفِهِ، وَخَوَاصُّ رِجَالِهِ يَقُونَهُ بِأَنْفُسِهِمْ مِنَ الضَّرَبَاتِ فَيُصْرَعُونَ أَمَامَهُ وَحَوَالَيْهِ، وَالْمَلِكُ الْمُظَفَّرُ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الْبَرْزَخِ إِلَيْهِ فَأَرَادَ الْمُظَفَّرُ أَنْ يَلْقَاهُ فَتَقَدَّمَهُ أَصْحَابُهُ يَبْغُونَ أَنْ يَصُدُّوهُ عَنْ ذَلِك إِشْفَاقًا عَلَيْهِ، وَالسُّلْطَانُ يَقُولُ لَهُمْ: «دَعُونِي لَهُ لَيْسَ لَهُ قَاتِلٌ غَيْرِي! أُرِيدُ أَنْ أَقْتُلَهُ بِيَدِي!». فَلَمَّا أَعْيَاهُمْ ذَلِك انْتَدَبَ أَحَدُ أَبْطَالِهِمْ وَهُوَ الْأَمِيرُ جَمَالُ الدِّينِ آقُوشُ الشَّمْسِيُّ - وَكَانَ يُقَاتِلُ إِلَى جَانِبِ السُّلْطَانِ - فَأَبْصَرَ فُرْجَةً فَاكْتَحَمَهَا إِلَى قَائِدِ التَّتَارِ وَصَاحَ يُخَاطِبُ السُّلْطَانَ: «يَا خَوَنْدُ! أَنَا يَدُكَ! لَقَدْ قَتَلْتُ عَدُوَّ اللَّهِ بِيَدِكَ!»، وَأَهْوَى بِسَيْفِهِ عَلَى عَاتِقِ الطَّاغِيَةِ فَأَبَانَهُ، وَضَرَبَهُ كِتْبُغَا بِيَدِهِ الْأُخْرَى فَصَرَعَهُ مِنْ عَلَى فَرَسِهِ، وَلَكِنَّ الْأَمِيرَ آقُوشَ كَانَ قَدْ زَجَّ حِينَئِذٍ بِرُمْحِهِ فِي عُنُقِ الطَّاغِيَةِ، فَلَمَّا هَوَى مِنْ فَرَسِهِ هَوَى الطَّاغِيَةُ مَعَهُ وَرُمْحُ آقُوشَ نَاشِبٌ فِي حَلْقِهِ وَآقُوشُ قَابِضٌ عَلَى الرُّمْحِ بِيَدَيْهِ، وَكَبَّرَ الْأَمِيرُ آقُوشُ وَسُيُوفُ الْعَدُوِّ تَتَعَاوَرُهُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ - فَكَبَّرَ السُّلْطَانُ وَكَبَّرَ مَنْ حَوْلَهُ مَعَهُ، فَعَرَفَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ كِتْبُغَا قَدْ هَلَك، فَكَبَّرُوا جَمِيعًا بِصَوْتٍ وَاحِدٍ أَلْقَى الرُّعْبَ فِي قُلُوبِ التَّتَارِ، فَازْدَادَ هَلَعُهُمْ وَاخْتَلَّتْ صُفُوفُهُمْ وَأَخَذُوا يَتَقَهْقَرُونَ.
الفكرة الرئيسة
مقتل قائد التتار كتبغا على يد الأمير جمال الدين آقوش الشمسي وانهيار التتار.
  • بَرْزَخًا: حَاجِزًا وَفَاصِلًا
  • أَبَانَهُ: فَصَلَهُ وَقَطَعَهُ

الفقرة 16

فَأَمَرَ السُّلْطَانُ جُنُودَ الْبَرْزَخِ وَصُفُوفَ الْمَيْمَنَةِ أَنْ يُكْمِلُوا تَطْوِيقَ مَيْسَرَةِ الْعَدُوِّ، وَانْدَفَعَ بَاقِي الْقَلْبِ إِلَى الْبَرْزَخِ؛ لِيُسَاعِدَ مَيْسَرَةَ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي عَلَيْهَا الْأَمِيرُ بَيْبَرْسُ عَلَى تَطْوِيقِ مَنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الْفِرَارِ مِنْ قَلْبِ الْعَدُوِّ وَمَيْمَنَتِهِ، فَانْحَصَرَ مُعْظَمُ جَيْشِ الْعَدُوِّ فِي هَاتَيْنِ الدَّائِرَتَيْنِ، وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْفِرَارِ، فَأَوْقَعَ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ وَأَفْنَوْهُمْ ضَرْبًا بِالسُّيُوفِ وَطَعْنًا بِالرِّمَاحِ حَتَّى امْتَلَأَ الْغَوْرُ بِجُثَثِهِمْ وَأَشْلَائِهِمْ وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ مِنْ سَاقَتِهِمُ الَّذِينَ تَمَكَّنُوا مِنَ الْفِرَارِ، وَاعْتَصَمَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ بِالتَّلِّ الْمُجَاوِرِ لِمَكَانِ الْوَقْعَةِ، وَأَخَذُوا يُمْطِرُونَ الْمُسْلِمِينَ بِوَابِلٍ مِنْ سِهَامِهِمْ، وَأَحْدَقَ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ وَصَابَرُوهُمْ فِي الْقِتَالِ، وَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ مُصْعِدِينَ حَتَّى سَحَقُوهُمْ سَحْقًا بَعْدَ أَنْ كَثُرَ قَتْلُ الْمُسْلِمِينَ دُونَ هَذَا التَّلِّ، لِمَا لَقُوهُ مِنْ سِهَامِ التَّتَارِ الَّتِي تَتَسَاقَطُ عَلَيْهِمْ كَالْمَطَرِ وَلَا تَكَادُ تُخْطِئُ أَهْدَافَهَا.
الفكرة الرئيسة
تطويق فلول التتار والقضاء التام عليهم فوق التل المجاور.
  • أَحْدَقَ: أَحَاطَ بِهِمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ
  • وَابِلٍ: مَطَرٍ شَدِيدٍ كَثِيفٍ

الفقرة 17

وَانْتَهَتِ الْمَعْرَكَةُ وَقَدْ تَهَلَّلَتْ وُجُوهُ الْمُسْلِمِينَ فَرَحًا وَاسْتِبْشَارًا بِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ هَذَا النَّصْرِ الْكَبِيرِ، وَبِمَا غَنِمُوا مِنْ أَمْوَالِ التَّتَارِ مِمَّا نَهَبُوهُ وَسَلَبُوهُ مِنْ أَغْنَى الْمُدُنِ وَالْبِلَادِ الَّتِي مَرُّوا بِهَا، فَكَانَتْ غَنِيمَةً عَظِيمَةً لَمْ يُرَ مِثْلُهَا فِي حُرُوبِ ذَلِك الْعَهْدِ. وَخَرَّ الْمَلِكُ الْمُظَفَّرُ سَاجِدًا لِرَبِّهِ، شَاكِرًا لِمَا اجْتَبَاهُ مِنْ أَنْعُمِهِ، وَأَطَالَ السُّجُودَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَالدُُّمُوعُ تَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ حَتَّى سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ فَالْتَقَى صَهْوَةَ جَوَادِهِ، وَخَطَبَ فِي جَيْشِهِ قَائِلًا: «أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! إِنَّ لِسَانِي يَعْجَزُ عَنْ شُكْرِكُمْ، وَاللَّهُ وَحْدَهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَجْزِيَكُمُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى. لَقَدْ صَدَقْتُمُ اللَّهَ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِهِ، فَنَصَرَ قَلِيلَكُمْ عَلَى كَثِيرِ عَدُوِّكُمْ، وَإِيَّاكُمْ وَالزَّهْوَ بِمَا صَنَعْتُمْ، وَلَكِنِ اشْكُرُوا اللَّهَ وَاخْضَعُوا لِقُوَّتِهِ وَجَلَالِهِ، إِنَّهُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ، وَمَا يُدْرِيكُمْ لَعَلَّ دَعَوَاتِ إِخْوَانِكُمُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمَنَابِرِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ الَّتِي حَمَلْتُمُوهُمْ فِيهَا عَلَى عَدُوِّكُمْ مِنْ هَذَا الْيَوْمِ الْعَظِيمِ، يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَفِي هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيمِ، شَهْرِ رَمَضَانَ، كَانَتْ أَمْضَى عَلَى عَدُوِّكُمْ مِنَ السُّيُوفِ الَّتِي بِهَا ضَرَبْتُمْ، وَالرِّمَاحِ الَّتِي بِهَا طَعَنْتُمْ، وَالْقِسِيِّ الَّتِي بِهَا رَمَيْتُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَمْ تَنْتَهُوا مِنَ الْجِهَادِ وَإِنَّمَا بَدَأْتُمُوهُ، وَأَنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَنْ يَرْضَيَا عَنْكُمْ حَتَّى تَقْضُوا حَقَّ الْإِسْلَامِ بِطَرْدِ أَعْدَائِهِ مِنْ سَائِرِ بِلَادِهِ، وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ، أَلَا فَتَرَحَّمُوا عَلَى إِخْوَانِكُمُ الَّذِينَ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْخَيْرِ، فَاخْتَارَ لَهُمُ الشَّهَادَةَ وَالْجَنَّةَ، وَاخْتَارَ لَكُمُ النَّصْرَ وَالْبَقَاءَ، لِتَعُودُوا لِلْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى، وَتَرَحَّمُوا عَلَى أَمَةِ اللَّهِ سُلْطَانَتِكُمْ، فَقَدْ صَدَقَتِ اللَّهَ مَا عَاهَدَتْهُ عَلَيْهِ، وَآثَرَتْ مَا عِنْدَهُ عَلَى مَا عِنْدَ عَبْدِهِ قُطُزَ!». وَهُنَا أَدْرَكَتْهُ الرِّقَّةُ فَبَكَى وَعَلَا نَحِيبُهُ، فَبَكَى الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا وَتَعَالَتْ أَصْوَاتُهُمْ بِالنَّحِيبِ، وَهُمْ يَقُولُونَ: «يَرْحَمُهَا اللَّهُ! يَرْحَمُهَا اللَّهُ».
الفكرة الرئيسة
انتصار المسلمين التاريخي وسجود قطز شكرًا وخطبته في الجيش وحزنه الشديد على جلنار.
  • تَتَحَادَرُ: تَسِيلُ وَتَتَسَاقَطُ بِكَثْرَةٍ
  • الزَّهْوَ: الْفَخْرَ وَالْكِبْرَ

شبكة الأفكار

معركة عين جالوت الحاسمة والانتصار على التتار

  • الإعداد للقتال والنفير العام: تجهيز الجيش المصري وإشعال الروح الإيمانية والجهادية في شهر رمضان.، خطبة قطز الحاسمة في الصالحية لمواجهة تخاذل الأمراء وتحريكهم للقتال.
  • بداية المعركة وبطولة جلنار: انتصار طليعة بيبرس في غزة وانضمام جلنار متخفية إلى الجيش.، إنقاذ جلنار للسلطان قطز واستشهادها بعد وصيتها الخالدة وا إسلاماه.
  • صرخة قطز ومقتل كتبغا: إلقاء قطز خوذته وصراخه وا إسلاماه لتحميس الجنود وإعادة تنظيم الصفوف.، مقتل قائد التتار كتبغا على يد الأمير البطل جمال الدين آقوش الشمسي.
  • النصر المؤزر وشكر الله: تطويق فلول التتار والقضاء التام عليهم فوق التل المجاور.، سجود قطز شكرًا لله وخطبته في الجيش وترحمه على الشهداء وجلنار.

القيم والدروس المستفادة

  • الإخلاص والتوكل على الله والاتحاد طريق النصر والتمكين.
  • التضحية بالروح والمال في سبيل الدفاع عن الوطن والدين.

الملخص في خمس جمل

  • أَعَدَّ السُّلْطَانُ قُطُزُ الْجَيْشَ الْمِصْرِيَّ وَرَفَعَ مَعْنَوِيَّاتِ الشَّعْبِ وَنَادَى بِالْجِهَادِ لِمُوَاجَهَةِ التَّتَارِ.
  • وَاجَهَ قُطُزُ تَرَدُّدَ الْأَمَرَاءِ بِحَزْمٍ وَشَجَاعَةٍ وَقَادَ الْجَيْشَ بِنَفْسِهِ نَحْوَ الشَّامِ لِمُلَاقَاةِ الْعَدُوِّ.
  • انْضَمَّتْ جُلَّنَارُ مُتَخَفِّيَةً لِلْقِتَالِ وَأَنْقَذَتْ قُطُزَ مِنَ الْمَوْتِ وَاسْتُشْهِدَتْ بَعْدَ أَنْ أَوْصَتْهُ بِصَيْحَةِ وَا إِسْلَامَاهْ.
  • قَادَ قُطُزُ الْمَعْرَكَةَ بِشَجَاعَةٍ وَنَادَى وَا إِسْلَامَاهْ وَقَتَلَ الْأَمِيرُ آقُوشُ قَائِدَ التَّتَارِ كِتْبُغَا.
  • انْتَهَتْ مَعْرَكَةُ عَيْنِ جَالُوتَ بِنَصْرٍ سَاحِقٍ لِلْمُسْلِمِينَ وَخَرَّ قُطُزُ سَاجِدًا لِلَّهِ شُكْرًا عَلَى الْفَتْحِ الْمُبِينِ.

بنك الأسئلة — الفقرة 1

قَضَى الْمَلِكُ الْمُظَفَّرُ عَشَرَةَ أَشْهُرٍ مِنْ مُلْكِهِ لَمْ يَعْرِفْ لِلرَّاحَةِ طَعْمًا، بَلْ أَمْضَى سَاعَاتِهَا كُلَّهَا بِجُهُودٍ تَنُوءُ بِهَا الْعُصْبَةُ أُولُو الْقُوَّةِ. فَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُوَطِّدَ أَرْكَانَ عَرْشِهِ، بَيْنَ عَوَاصِفِ الْفِتَنِ وَزَعَازِعِ الْمُؤَامَرَاتِ، وَيُدَبِّرَ مُلْكَهُ، وَيَقْضِيَ عَلَى عَنَاصِرِ الْفَوْضَى وَالاضْطِرَابِ، وَيَضْرِبَ عَلَى أَيْدِي الْمُفْسِدِينَ وَالدَّسَّاسِينَ، وَيَقْبِضَ بِيَدٍ قَاهِرَةٍ عَلَى أَزِمَّةِ السِّيَاسَةِ الْجَامِحَةِ، وَيُعَالِجَ الْأُمَرَاءَ الْمَمَالِيكَ، وَيَسْتَعْمِلَ مَعَ بَعْضِهِمُ اللِّينَ وَمَعَ آخَرِينَ الشِّدَّةَ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُقَوِّيَ الْجَيْشَ، وَيُضَاعِفَ عَدَدَهُ، وَأَسْلِحَتَهُ وَعَتَادَهُ، وَيَجْمَعَ لَهُ الْمُؤَنَ وَالذَّخَائِرَ وَالْأَقْوَاتَ، وَيُحَصِّلَ لِذَلِكَ كُلِّهِ الْأَمْوَالَ الْكَافِيَةَ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُسْكِنَ الْقُلُوبَ الْوَجِلَةَ مِنْ قُدُومِ التَّتَارِ، وَيَنْفُخَ فِيهَا رُوحَ الْعَزْمِ عَلَى مُقَاوَمَتِهِمْ عَلَى كَثْرَةِ الْمُخَذِّلِينَ مِنَ الْأُمَرَاءِ، الْمُعَوِّقِينَ عَنْ قِتَالِهِمْ، الدَّاعِينَ إِلَى مُسَالَمَتِهِمْ وَالْخُضُوعِ لَهُمْ، وَلَوْلَا مَا خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ قُوَّةِ الْبِنْيَةِ، وَمَتَانَةِ الْأَعْصَابِ، وَمَضَاءِ الْعَزِيمَةِ وَصَرَامَةِ الْإِرَادَةِ، وَصِدْقِ الْإِيمَانِ، وَالْعَقِيدَةِ الْقَوِيَّةِ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ هَيَّأَهُ وَأَعَدَّهُ لِلْقِيَامِ بِكَسْرِ التَّتَارِ وَطَرْدِهِمْ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، لَمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يُنْجِزَ فِي بِضْعَةِ أَشْهُرٍ، مَا يَعْجَزُ غَيْرُهُ عَنِ الْقِيَامِ بِبَعْضِهِ فِي بِضْعِ سَنَوَاتٍ، فَقَدْ خَلَقَ الْجَيْشَ الْمِصْرِيَّ خَلْقًا جَدِيدًا، وَنَفَخَ فِيهِ رُوحَ الْفِدَاءِ وَالاسْتِمَاتَةِ فِي الدِّفَاعِ عَنِ الدِّينِ وَالْوَطَنِ، وَأَفَاضَ عَلَيْهِ مِنْ شَجَاعَتِهِ وَحَمَاسَتِهِ، فَإِذَا هُوَ يَتَوَقَّدُ حَمَاسَةً لِلْقِتَالِ، وَيَحِنُّ شَوْقًا لِلْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَدِ اسْتَطَاعَ أَنْ يُنْزِلَ السَّكِينَةَ وَالطَّمَأْنِينَةَ فِي قُلُوبِ سَوَادِ النَّاسِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ تَرْجُفُ هَلَعًا مِنْ ذِكْرِ التَّتَارِ، وَأَنْ يَبْذُرَ فِيهَا الثِّقَةَ وَالْيَقِينَ بِأَنَّ مِصْرَ سَتَفْلَحُ فِي رَدِّ غَارَاتِ التَّتَارِ عَنْهَا، بَلْ طَرْدِهِمْ مِنْ بِلَادِ الشَّامِ، كَمَا أَفْلَحَتْ مِنْ قَبْلُ فِي رَدِّ الصَّلِيبِيِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ.

بنك الأسئلة — الفقرة 2

وَكَانَتْ زَوْجَتُهُ وَحَبِيبَتُهُ السُّلْطَانَةُ جُلَّنَارُ تَشُدُّ أَزْرَهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَتُشَجِّعُهُ عَلَى الْمَضِيِّ فِي هَذِهِ السَّبِيلِ الْوَعِرَةِ. فَكَانَتْ تَسْهَرُ اللَّيْلَ مَعَهُ، وَتُشَاطِرُهُ هُمُومَهُ وَآلَامَهُ، وَتَمْسَحُ بِيَدِهَا الرَّقِيقَةِ شَكْوَاهُ، كُلَّمَا ضَاقَ صَدْرُهُ بِتَخَاذُلِ الْأُمَرَاءِ عَنْ طَاعَتِهِ، وَنَيْلِهِمْ مِنْهُ فِي مَغِيبِهِ، وَنِفَاقِهِمْ لَهُ فِي مَشْهَدِهِ، وَإِلْقَائِهِمُ الْعَوَاثِيرَ فِي طَرِيقِهِ. وَكَانَ رُبَّمَا أَنْسَاهُ انْهِمَاكُهُ فِي عَمَلِهِ الدَّائِبِ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ فَعُنِيَتْ بِتَقْدِيمِهِمَا بِنَفْسِهَا إِلَيْهِ، وَإِذَا أَنْهَكَهُ السَّهَرُ فِي أَعْقَابِ اللَّيْلِ، قَامَتْ إِلَيْهِ، فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ وَقَادَتْهُ إِلَى فِرَاشِهِ، لِيَأْخُذَ نَصِيبَهُ مِنْ نَوْمِهِ وَرَاحَتِهِ. وَكَانَتْ لَا تَفْتَأُ تَمْلَأُ قَلْبَهُ بِالْفَوْزِ فِيمَا نَدَبَ نَفْسَهُ لِلْقِيَامِ بِهِ، فَيَزْدَادُ يَقِينُهُ وَيَتَضَاعَفُ إِيمَانُهُ، وَكَانَتْ تَقُولُ لَهُ: «إِنِّي سَأَخْرُجُ مَعَكَ إِلَى مَيْدَانِ الْقِتَالِ، لِأَرَى مَصَارِعَ الْأَعْدَاءِ بِعَيْنِي فَيَشْفَى بِذَلِك صَدْرِي»؛ فَيَقُولُ لَهَا: «أَخْشَى عَلَيْكِ يَا حَبِيبَتِي مِنْ سِهَامِهِمْ»، فَتَقُولُ لَهُ: «لَا تَخْشَ عَلَيَّ سَأَكُونُ وَرَاءَ الْجَيْشِ فِي مَأْمَنٍ مِنْ سِهَامِهِمْ وَكَرَّاتِهِمْ».

بنك الأسئلة — الفقرة 3

أَمَا تَخَافِينَ أَنْ يَخْلُصُوا إِلَيْكِ فِي أَثْنَاءِ الْكَرِّ وَالْفَرِّ، فَتَقَعِي أَسِيرَةً فِي أَيْدِيهِمْ؟ - أَنَا ابْنَةُ جَلَالِ الدِّينِ لَا يَخْلُصُونَ إِلَيَّ وَجَوَادِي مَعِي يَنْجُو بِي مِنْهُمْ، أَمَا تَذْكُرُ يَا مَحْمُودُ أَيَّامَ كُنَّا نَتَبَارَى عَلَى جَوَادَيْنَا، فَتَسْبِقُنِي حِينًا وَحِينًا أَسْبِقُكَ؟ فَيَضْحَكُ الْمَلِكُ الْمُظَفَّرُ وَيُعَانِقُهَا قَائِلًا: «أَجَلْ أَذْكُرُ ذَلِكَ يَا جِهَادُ! كَيْفَ أَنْسَى تِلْكَ الْأَيَّامَ السَّعِيدَةَ؟».

بنك الأسئلة — الفقرة 4

وَرَأَى الْمَلِكُ الْمُظَفَّرُ عِنْدَمَا انْسَلَخَ الشَّهْرُ الْعَاشِرُ مِنْ حُكْمِهِ أَنْ قَدْ تَكَامَلَ جَيْشُهُ وَأَصْبَحَ كَافِيًا بِحَوْلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ لِمُلَاقَاةِ التَّتَارِ. فَأَرَادَ أَنْ يَنْتَظِرَ بِهِمْ شَهْرَ رَمَضَانَ، حَتَّى إِذَا انْقَضَى تَحَرَّكَ بِجَيْشِهِ لِقِتَالِهِمْ، وَلَكِنَّ حَرَكَاتِ التَّتَارِ صَوْبَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ كَانَتْ أَسْرَعَ مِنْ أَنْ تَدَعَ لَهُ انْتِظَارَ شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى يَنْقَضِيَ. فَقَدْ وَرَدَتِ الْأَنْبَاءُ بِأَنَّ طَلَائِعَهُمْ قَدْ بَلَغَتْ غَزَّةَ وَبَلَدَ الْخَلِيلِ، فَقَتَلُوا الرِّجَالَ، وَسَبَوُا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ، وَنَهَبُوا الْأَسْوَاقَ، وَسَلَبُوا الْأَمْوَالَ، وَارْتَكَبُوا الْفَظَائِعَ كَعَادَتِهِمْ، فَلَمْ يَسَعِ السُّلْطَانَ إِلَّا الْعَزْمُ عَلَى الْإِسْرَاعِ لِمُلَاقَاتِهِمْ وَالتَّعْجِيلُ بِالْخُرُوجِ.

بنك الأسئلة — الفقرة 5

وَكَانَ شَهْرُ رَمَضَانَ قَدْ دَخَلَ، وَصَامَ النَّاسُ بِضْعَةَ أَيَّامٍ مِنْهُ، حِينَمَا نُودِيَ، فِي الْقَاهِرَةِ وَسَائِرِ مُدُنِ الْقِطْرِ الْمِصْرِيِّ وَقُرَاهُ، بِالْخُرُوجِ إِلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَنُصْرَةِ دِينِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. تَرَدَّدَ هَذَا النِّدَاءُ الْعَظِيمُ فِي جَمِيعِ أَرْجَاءِ الْقِطْرِ، فَخَالَطَ النَّاسَ شُعُورٌ عَجِيبٌ، لَمْ يَعْهَدُوا لَهُ مَثِيلًا مِنْ قَبْلُ، وَأَحَسُّوا كَأَنَّهُمْ خَلْقٌ آخَرُ غَيْرُ مَا كَانُوا وَأَنَّهُمْ يَعِيشُونَ فِي عَصْرٍ غَيْرِ عَصْرِهِمْ ذَاكَ - فِي عَهْدٍ مِنْ عُهُودِ الْإِسْلَامِ الْأُولَى حِينَ كَانَ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَلَبُّونَ دَعْوَةَ الرَّسُولِ عليه الصلاة والسلام، فَيَنْفِرُونَ خِفَافًا وَثِقَالًا، يُجَاهِدُونَ مَعَهُ الْمُشْرِكِينَ، وَيَبْتَغُونَ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ، النَّصْرَ أَوْ الشَّهَادَةَ، حَتَّى يَجْعَلُوا كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى، وَكَلِمَةَ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا. وَطَغَى هَذَا الشُّعُورُ عَلَى جَمِيعِ طَبَقَاتِ الْعَامَّةِ، حَتَّى كَفَّ الْفَسَقَةُ عَنْ ارْتِكَابِ مَعَاصِيهِمْ، وَامْتَنَعَ الْمُدْمِنُونَ عَنْ شُرْبِ الْخُمُورِ، وَامْتَلَأَتِ الْمَسَاجِدُ بِالْمُصَلِّينَ، وَلَمْ يَبْقَ لِلنَّاسِ فِي الْبُيُوتِ وَالْأَنْدِيَةِ وَالْمَسَاجِدِ وَالطُّرُقَاتِ مِنْ حَدِيثٍ إِلَّا حَدِيثُ الْجِهَادِ!

بنك الأسئلة — الفقرة 6

وَأَمَرَ الْمَلِكُ الْمُظَفَّرُ الْأُمَرَاءَ وَالْقُوَّادَ بِدَعْوَةِ أَجْنَادِهِمْ، وَإِعْدَادِهِمْ لِلْمَسِيرِ إِلَى الصَّالِحِيَّةِ وَأَنْ يُضْرَبَ بِالْمَقَارِعِ كُلُّ مَنْ وُجِدَ مُخْتَفِيًا مِنْهُمْ، وَتَقَدَّمَ هُوَ بِالْمَسِيرِ، حَتَّى نَزَلَ بِالصَّالِحِيَّةِ يَنْتَظِرُ تَكَامُلَ الْجُنُودِ، فَلَمَّا تَكَامَلَتْ طَلَبَ الْأُمَرَاءَ، وَكَانَ قَدْ آنَسَ ازْوِرَارًا مِنْ جَانِبِهِمْ، وَمَيْلًا إِلَى الْقُعُودِ وَالتَّخَلُّفِ، فَتَكَلَّمَ مَعَهُمْ فِي الرَّحِيلِ لِلِقَاءِ الْعَدُوِّ، فَأَبَى ذَلِك عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ كَبِيرَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ، كَانُوا قَدْ تَعَاقَدُوا عَلَى عِصْيَانِ الْمَلِكِ الْمُظَفَّرِ وَاعْتَذَرُوا لَهُ بِأَنَّ الرَّأْيَ هُوَ أَنْ يَبْقَوْا هُنَالِك حَتَّى تَأْتِيَ جُمُوعُ التَّتَارِ فَيَصُدُّوهَا عَنِ الْبِلَادِ، فَغَضِبَ الْمَلِكُ غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى انْعَقَدَ لِسَانُهُ وَلَمْ يَسْتَطِعِ الْكَلَامَ بَرْهَةً مِنَ الزَّمَنِ، ثُمَّ انْفَجَرَ يُخَاطِبُهُمْ قَائِلًا: «بِئْسَ الرَّأْيُ الضَّعِيفُ رَأْيُكُمْ! أَمَا وَاللَّهِ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى هَذَا إِلَّا الْجُبْنُ وَالْهَلَعُ مِنْ سُيُوفِ التَّتَارِ أَنْ تَقْطَعَ رِقَابَكُمْ هَذِهِ الَّتِي سَمِنَتْ مِنْ أَمْوَالِ الْأُمَّةِ؟ أَلَمْ تَعْلَمُوا يَا أُمَرَاءَ السُّوءِ أَنَّهُ مَا غُزِيَ قَوْمٌ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلَّا ذَلُّوا؟ يَا أُمَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ! لَكُمْ زَمَانٌ تَأْكُلُونَ أَمْوَالَ بَيْتِ الْمَالِ، وَأَنْتُمْ لِلْقِتَالِ كَارِهُونَ، وَمَا أَشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالْبَارِحَةِ! وَمَا أَشْبَهَكُمْ بِأُولَئِكَ الْمُنَافِقِينَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إِذْ يَقُولُ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. وَاللَّهِ لَأَتَوَجَّهَنَّ بِمَنْ مَعِي لِقِتَالِ أَعْدَاءِ اللَّهِ، فَمَنِ اخْتَارَ الْجِهَادَ مِنْكُمْ فَلْيَصْحَبْنِي، وَمَنْ لَمْ يَشَأْ فَلْيَرْجِعْ إِلَى بَيْتِهِ غَيْرَ مَأْسُوفٍ عَلَيْهِ، فَإِنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ، وَتَبِعَةُ حَرِيمِ الْمُسْلِمِينَ فِي رِقَابِكُمْ!».

بنك الأسئلة — الفقرة 7

وَكَانَ السُّلْطَانُ قَدْ أَمَرَ الْأَمِيرَ بَيْبَرْسَ أَنْ يَتَقَدَّمَ فِي جَمْعٍ مِنَ الْجُنُودِ لِيَكُونَ طَلِيعَةً يَعْرِفُ لَهُ أَخْبَارَ التَّتَارِ، فَسَارَ بَيْبَرْسُ وَالْجَمْعُ الَّذِي مَعَهُ سَيْرًا حَثِيثًا حَتَّى وَصَلَ غَزَّةَ وَبِهَا طَلَائِعُ التَّتَارِ. فَنَاوَشَهُمُ الْقِتَالَ فَانْهَزَمُوا، إِذْ ظَنُّوا أَنَّ وَرَاءَهُ جَيْشًا عَظِيمًا وَتَرَاكُوا لَهُ غَزَّةَ فَدَخَلَهَا وَنَزَلَ فِيهَا بِجَمْعِهِ حَتَّى وَافَاهُ السُّلْطَانُ بِالْجُنُودِ فَأَقَامَ فِيهَا يَوْمًا يَسْتَجِمُّ وَيُدَبِّرُ الْخُطَطَ. وَهُنَاكَ وَافَتْهُ السُّلْطَانَةُ جُلَّنَارُ رَاكِبَةً عَلَى جَوَادِهَا وَهِيَ بِمَلَابِسِ الْفُرْسَانِ مِنَ الْأُمَرَاءِ إِلَّا قِنَاعًا مِنَ الْحَرِيرِ الْأَسْوَدِ مَسْدُولًا عَلَى وَجْهِهَا لَوْلَاهُ لَقَلَّ مَنْ يَسْتَطِيعُ تَمْيِيزَهَا عَنْهُمْ وَتَصْحَبُهَا جَارِيَتَانِ حَبَشِيَّتَانِ عَلَى بَغْلَتَيْهِمَا، وَيَسِيرُ حَوْلَهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْعَبِيدِ السُّودِ يَحْرُسُونَهَا وَيَقُومُونَ بِخِدْمَتِهَا، فَضَرَبَ لَهَا السُّلْطَانُ خَيْمَةً خَاصَّةً بِجَانِبِ خَيْمَتِهِ.

بنك الأسئلة — الفقرة 8

وَوَصَلَ كِتْبُغَا قَبْلَ الزَّوَالِ بِسَاعَةٍ فَمَا لَبِثَ أَنْ رَتَّبَ جُنُودَهُ وَسَاقَهَا لِلِقَاءِ الْمَلِكِ الْمُظَفَّرِ، وَكَانَ الْمَلِكُ الْمُظَفَّرُ إِذْ ذَاكُ قَدْ عَبَّأَ جُنُودَهُ فِي مَوَاقِعِهِمْ، فَجَعَلَ الْأَمِيرَ رُكْنَ الدِّينِ بَيْبَرْسَ عَلَى مَيْسَرَتِهِ، وَالْأَمِيرَ بَهَادِرَ الْمُعِزِّيَّ عَلَى مَيْمَنَتِهِ، وَكَانَ هُوَ عَلَى الْقَلْبِ وَحَوْلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَبْطَالِهِ وَمَمَالِيكِهِ، بَيْنَهُمُ الصَّبِيُّ «التَّتَرِيُّ» الَّذِي كَانَ اسْتَبْقَاهُ مِنْ رُسُلِ التَّتَارِ، وَاتَّخَذَهُ مَمْلُوكًا لَهُ، وَوَكَّلَ بِهِ مَنْ يُعَلِّمُهُ فَرَائِضَ الدِّينِ، فَكَانَ يَسِيرُ مَعَهُ لَا يَكَادُ يُفَارِقُهُ. وَكَانَ الْمَلِكُ الْمُظَفَّرُ يُحِبُّهُ لِذَكَائِهِ وَفِطْنَتِهِ، وَيَقُولُ لَهُ: أَنْتَ مَلِكُ التَّتَارِ، فَكَانَ رِجَالُ الْمُظَفَّرِ يَدْعُونَهُ دَائِمًا مَلِكَ التَّتَارِ، وَكَانَ الصَّبِيُّ يَزْهُو بِذَلِك فَيَضْحَكُونَ لَهُ.

بنك الأسئلة — الفقرة 9

وَمَا لَبِثَ الْجَيْشَانِ أَنْ تَقَارَبَا، فَأَخَذَتْ سِهَامُ التَّتَارِ تَمْرُقُ فِي صُفُوفِ جَيْشِ الْمَلِكِ الْمُظَفَّرِ فَتَجْرَحُ وَتَقْتُلُ فِيهِ. فَلَمَّا اشْتَدَّ ذَلِك عَلَى الْجُنْدِ أَمَرَ السُّلْطَانُ رِجَالَهُ بِالْهُجُومِ عَلَيْهِمْ، فَانْدَفَعُوا إِلَى الْأَمَامِ، حَتَّى تَصَافَحَتِ الصُّفُوفُ الْأَمَامِيَّةُ مِنْ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ بِالسُّيُوفِ. وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ وَاسْتَبْسَلَ الْفَرِيقَانِ اسْتِبْسَالًا عَظِيمًا، وَاسْتَحَرَّ فِيهِمَا الْقِتَالُ، إِلَّا أَنَّ الْجُنْدَ كَانُوا لِذَلِك الْحِينِ ظَاهِرِينَ عَلَى أَعْدَائِهِمْ. وَكَانَ الْمَلِكُ الْمُظَفَّرُ فِي وَسَطِ الْقَلْبِ يَنْظُرُ إِلَى الْقِتَالِ بِصَدْرٍ مُنْشَرِحٍ كَأَنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرَى أَصْحَابَهُ يَهْجُمُونَ عَلَى التَّتَارِ بَعْدَ أَنْ كَانُوا يَخْشَوْنَ لِقَاءَهُمْ وَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يُغْلَبُونَ لِكَثْرَةِ مَا سَمِعُوا مِنْ أَخْبَارِ شَجَاعَتِهِمْ وَتَوَحُّشِهِمْ وَهُوَ يَدْفَعُ أَبْطَالَهُ وَيَحُضُّ رِجَالَهُ عَلَى التَّقَدُّمِ.

بنك الأسئلة — الفقرة 10

وَكَانَتِ السُّلْطَانَةُ جُلَّنَارُ قَدْ جَعَلَتْ هَمَّهَا حِمَايَةَ زَوْجِهَا مِنَ الْغِيلَةِ، فَجَعَلَتْ تُلَاحِظُهُ وَهِيَ عَلَى جَوَادِهَا مِنْ تَلٍّ مُرْتَفِعٍ خَلْفَ السُّلْطَانِ، وَتُرَاقِبُ مَنْ حَوْلَهُ فَرَأَتْ خَمْسَةَ فُرْسَانٍ مِنَ التَّتَارِ انْدَفَعُوا كَالْسَّهْمِ إِلَى جِهَةِ السُّلْطَانِ، فَوُجِئَ السُّلْطَانُ وَدُهِشَ، وَفُوجِئَ مَنْ حَوْلَهُ مِنَ الرِّجَالِ فَاضْطَرَبُوا، وَلَكِنَّ السُّلْطَانَ تَلَقَّاهُمْ بِسَيْفِهِ فَجَنْدَلَ ثَلَاثَةً مِنْهُمْ. وَإِذَا بِفَارِسٍ تَتَرِيٍّ آخَرَ قَدْ رَمَى السُّلْطَانَ بِسَهْمٍ مِنْ خَلْفِهِ فَأَخْطَأَهُ وَأَصَابَ الْفَرَسَ فَتَرَدَّى الْفَرَسُ وَسَقَطَ السُّلْطَانُ، وَقَصَدَهُ الْفَارِسَانِ التَّتَرِيَّانِ، فَجَعَلَ يَحِيصُ عَنْهُمَا، ثُمَّ قَصَدَ أَحَدَهُمَا فَضَرَبَ قَوَائِمَ فَرَسِهِ فَوَقَعَتْ بِهِ، وَكَادَ الْفَارِسُ التَّتَرِيُّ الْآخَرُ يَعْلُو السُّلْطَانَ بِسَيْفِهِ لَوْ لَمْ يَبْرُزْ لَهُ فَارِسٌ مُلَثَّمٌ شَغَلَهُ عَنْ ذَلِك، فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ بِالسَّيْفِ فَخَرَّا صَرِيعَيْنِ. وَصَاحَ الْفَارِسُ الْمُلَثَّمُ: «صُنْ نَفْسَكَ يَا سُلْطَانَ الْمُسْلِمِينَ! هَا أَنَا قَدْ سَبَقْتُكَ إِلَى الْجَنَّةِ!». وَكَانَ هَذَا الْفَارِسُ قَبْلَ ذَلِك قَدْ أَطَارَ رَأْسَ الْفَارِسِ التَّتَرِيِّ.

بنك الأسئلة — الفقرة 11

وَكَانَ فُرْسَانُ الْحَرَسِ السُّلْطَانِيِّ قَدْ ثَابَ إِلَيْهِمْ رُشْدُهُمْ إِذْ ذَاكُ فَاجْتَمَعُوا حَوْلَ السُّلْطَانِ وَقَبَضُوا عَلَى الْفَارِسِ الَّذِي ضَرَبَ السُّلْطَانُ قَوَائِمَ فَرَسِهِ فَقَتَلُوهُ، وَسَدُّوا الثَّغْرَةَ الْأَمَامِيَّةَ وَتَكَاثَفُوا فِيهَا دُونَ السُّلْطَانِ فَلَمْ يَدَعُوا أَحَدًا يَقْتَرِبُ مِنْهُ، وَتَذَكَّرَ السُّلْطَانُ صَوْتَ الْفَارِسِ الْمُلَثَّمِ فَارْتَابَ فِي أَمْرِهِ فَقَصَدَ إِلَيْهِ وَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ فَإِذَا السُّلْطَانَةُ جُلَّنَارُ وَهِيَ تَجُودُ بِنَفْسِهَا، فَهَالَهُ الْأَمْرُ وَحَمَلَهَا وَهُوَ لَا يَعْقِلُ مَا يَفْعَلُ، وَبَعَثَ إِلَى بَيْبَرْسَ وَهُوَ عَلَى الْمَيْسَرَةِ لِيَحُلَّ مَحَلَّهُ فِي الْقَلْبِ، وَانْفَتَلَ هُوَ مُنْطَلِقًا إِلَى الْمُخَيَّمِ فَلَقِيَ أَقْطَايَ الْأَتَابَكِ عَلَى الْبَابِ فَقَالَ لَهُ: «لَا تَبْرَحْ هَذِهِ سُلْطَانَتُك جَرِيحَةٌ، فَعَجِّلْ بِالطَّبِيبِ وَالْجَارِيَتَيْنِ». فَذَهَبَ أَقْطَايُ لِيُحْضِرَهُمْ، وَأَضْجَعَهَا السُّلْطَانُ عَلَى فِرَاشِهِ وَجَعَلَ يُقَبِّلُ جَبِينََهَا وَالدُُّمُوعُ تَنْهَمِرُ مِنْ عَيْنَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ لَهَا: «وَا زَوْجَاهْ! وَا حَبِيبَتَاهْ!». فَأَحَسَّتْ بِهِ وَرَفَعَتْ طَرْفَهَا إِلَيْهِ وَقَالَتْ لَهُ بِصَوْتٍ ضَعِيفٍ مُتَقَطِّعٍ وَهِيَ تَجُودُ بِرُوحِهَا فِي السِّيَاقِ: «لَا تَقُلْ وَا حَبِيبَتَاهْ.. قُلْ وَا إِسْلَامَاهْ!». وَمَا لَبِثَتْ أَنْ لَفَظَتِ الرُّوحَ بَيْنَ يَدَيْهِ حِينَ حَضَرَتِ الْجَارِيَتَانِ الْحَبَشِيَّتَانِ مُرْتَاعَتَيْنِ وَخَلْفَهُمَا الطَّبِيبُ. فَطَبَعَ السُّلْطَانُ عَلَى جَبِينِهَا الْقُبْلَةَ الْأَخِيرَةَ، وَمَسَحَ دُمُوعَهُ وَنَهَضَ تَالِرِكًا زَوْجَتَهُ الشَّهِيدَةَ لِلطَّبِيبِ وَالْجَارِيَتَيْنِ يَتَوَلَّوْنَ تَجْهِيزَهَا، وَخَرَجَ مِنَ الْمُخَيَّمِ فَالْتَقَى بِجَوَادٍ طَارَ بِهِ إِلَى سَاحَةِ الْقِتَالِ.

بنك الأسئلة — الفقرة 12

وَكَانَ قَدْ شَاعَ فِي جُنْدِ الْجَيْشِ خَبَرُ مَصْرَعِ السُّلْطَانَةِ جُلَّنَارَ، وَانْتَشَرَ فِيهِمْ كَالنَّارِ فِي الْهَشِيمِ، وَخَالَطَهُمْ مَعَ ذَلِك أَسَفٌ وَوُجُومٌ. وَشَاعَ فِيهِمْ أَيْضًا أَنَّ السُّلْطَانَ احْتَمَلَهَا إِلَى الْمُخَيَّمِ وَتَرَكَ مَكَانَهُ لِلْأَمِيرِ بَيْبَرْسَ. فَلَمَّا رَأَوْهُ عَادَ إِلَى مَحَلِّهِ صَاحُوا جَمِيعًا: «اللَّهُ أَكْبَرُ!». وَتَمَثَّلَتْ لَهُمْ بُطُولَةُ السُّلْطَانَةِ الصَّرِيعَةِ، فَشَعَرُوا بِهَوَانِ أَنْفُسِهِمْ عَلَيْهِمْ، وَحَمَلُوا وَاسْتَبْسَلُوا. وَلَمَّا رَأَى التَّتَارُ ذَلِك - وَكَانُوا قَدْ فَرِحُوا بِغَيْبَةِ السُّلْطَانِ، وَظَنَّ كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَنَّهُ قُتِلَ - حَمُوا أَيْضًا وَاسْتَمَاتُوا فِي الْهُجُومِ، فَاضْطَرَبَتْ مَيْمَنَةُ الْجَيْشِ الَّتِي عَلَيْهَا الْأَمِيرُ بَهَادِرُ، حَتَّى صَارَ صَفُّ الْجَيْشِ خَطًّا مَائِلًا مُقَدَّمَةُ الْمَيْسَرَةِ عَلَيْهَا بَيْبَرْسُ، وَمُؤَخَّرَةُ الْمَيْمَنَةِ الَّتِي انْكَشَفَتْ، حَتَّى تَعَرَّضَ الْقَلْبُ لِهَجَمَاتِ التَّتَارِ الْحَامِيَةِ، وَقَدْ أَدْرَكُوا أَنَّ فِيهِ السُّلْطَانَ فَانْدَفَعُوا لِاخْتِرَاقِهِ، وَضَغَطُوا عَلَيْهِ حَتَّى تَقَهْقَرَ قَلِيلًا، فَكَادَ يُوَازِي الْمَيْمَنَةَ الْمُنْكَشِفَةَ، وَصَارَ الصَّفُّ بِذَلِك أَشْبَهَ بِضِلْعَيْنِ لِزَاوِيَةٍ مُنْفَرِجَةٍ.

بنك الأسئلة — الفقرة 13

وَعِنْدَمَا تَقَدَّمَ السُّلْطَانُ قَلِيلًا إِلَى الْأَمَامِ فَكَشَفَ عَنْ خُوذَتِهِ وَأَلْقَى بِهَا إِلَى الْأَرْضِ وَصَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ ثَلَاثًا: «وَا إِسْلَامَاهْ»، وَحَمَلَ بِنَفْسِهِ وَبِمَنْ مَعَهُ حَمْلَةً صَادِقَةً، وَتَرَدَّدَ صَوْتُهُ هَذَا فِي أَرْجَاءِ الْغَوْرِ فَسَمِعَهُ مُعْظَمُ الْجُنُودِ وَرَدَّدُوهُ مَعَهُ، وَحَمَلُوا حَمْلَةً عَنِيفَةً انْتَعَشَتْ بِهَا الْمَيْمَنَةُ. فَتَقَدَّمَتْ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ مِنْ كَثَافَةِ جُمُوعِ التَّتَارِ الَّذِينَ حَاوَلُوا مِنْهَا أَنْ يَطُوقُوا الْجَيْشَ، وَبَصُرَ السُّلْطَانُ بِكِتْبُغَا قَائِدِ التَّتَارِ، وَقَدْ حَمِيَ وَاسْتَبْسَلَ وَهُوَ يَضْرِبُ بِسَيْفَيْنِ، وَكُلَّمَا عُقِرَ جَوَادُهُ اسْتَبْدَلَ بِهِ جَوَادًا آخَرَ، وَكَأَنَّمَا كَانَ يَتَرَقَّبُ الْفُرْصَةَ لِيَشُقَّ لِبَعْضِ مُقَدَّمِي رِجَالِهِ مُنْفَرَجًا يَصِلُونَ بِهِ إِلَى السُّلْطَانِ.

بنك الأسئلة — الفقرة 14

وَكَانَ الْمَلِكُ الْمُظَفَّرُ يُقَاتِلُ قِتَالَ الْمُسْتَمِيتِ حَاسِرَ الرَّأْسِ، وَقَدْ احْمَرَّ وَجْهُهُ وَانْتَفَشَ شَعْرُهُ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قِطْعَةٌ مِنَ اللَّهَبِ يَعْلُوهَا إِعْصَارٌ مِنَ الدُّخَانِ الْأَسْوَدِ، وَكَانَ النَّاظِرُ إِلَيْهِ - وَهُوَ يَتَقَدَّمُ الصُّفُوفَ وَيَضْرِبُ بِسَيْفِهِ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ، فَكُلَّمَا اعْوَجَّ لَهُ سَيْفٌ الْتَمَسَ لَهُ سَيْفًا آخَرَ وَرَمَى بِالْأَوَّلِ فِي وُجُوهِ الْعَدُوِّ، وَكُلَّمَا جَنْدَلَ بَطَلًا مِنْ أَبْطَالِ الْعَدُوِّ صَاحَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ» - يُشْفِقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَشُكُّ فِي أَنَّهُ يَتَعَرَّضُ لِلشَّهَادَةِ، وَأَنَّهُ عَمَّا قَلِيلٍ سَيُصَابُ، فَعَظُمَ ذَلِك عَلَى خَوَاصِّ رِجَالِهِ الْمُخْلِصِينَ لِمَا رَأَوْا مِنْ قِلَّةِ حَذَرِهِ وَتَهَاوُنِهِ بِنَفْسِهِ إِلَى حَدِّ التَّهَوُّرِ، فَعَزَمَ أَبْطَالُهُمْ عَلَى أَنْ يَقُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ مَا اسْتَطَاعُوا، فَكَانَ لَا يَتَقَدَّمُ خَطْوَةً إِلَى الْأَمَامِ إِلَّا تَقَدَّمُوا مَعَهُ مُحِيطِينَ بِهِ فِي نِصْفِ دَائِرَةٍ، فَاسْتَحَرَّ الْقَتْلُ فِيهِمْ وَلَمْ يَثْنِهِمْ ذَلِك عَنِ الاندِفَاعِ مَعَهُ إِلَى حَدِّ التَّهَوُّرِ؛ إِذْ لَا سَبِيلَ لَهُمْ مَعَ ذَلِك إِلَى الْأَخْذِ بِجَانِبِ الْحِيطَةِ وَالْحَذَرِ. وَبَصُرَ السُّلْطَانُ بِسَهْمٍ يُصَوَّبُ نَحْوَهُ فَشَدَّ عَلَى رِجْلَيْهِ، فَنَشَبَ السَّهْمُ فِي صَدْرِ الْجَوَادِ فَتَدَاعَى وَنَزَلَ عَنْهُ السُّلْطَانُ وَمَسَحَ عَرَقَهُ وَهُوَ يَقُولُ: «فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَيُّهَا الرَّفِيقُ الْعَزِيزُ!»، وَاسْتَمَرَّ السُّلْطَانُ يُقَاتِلُ رَاجِلًا وَهُوَ يَصِيحُ: «إِلَيَّ بِجَوَادٍ!» فَأَرَادَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ أَنْ يَنْزِلَ عَنْ فَرَسِهِ فَأَبَى السُّلْطَانُ عَلَيْهِ ذَلِك وَقَالَ لَهُ «اثْبُتْ مَكَانَك مَا كُنْتُ لِأَمْنَعَ الْمُسْلِمِينَ الاِنْتِفَاعَ بِك فِي هَذَا الْوَقْتِ!». وَبَقِيَ يُقَاتِلُ رَاجِلًا حَتَّى جِيءَ لَهُ بِفَرَسٍ مِنَ الْجَنَائِبِ فَالْتَقَاهُ وَتَوَغَّلَ بِشَطْرٍ كَبِيرٍ مِنْ جَيْشِهِ فِيمَا بَيْنَ قَلْبِ الْعَدُوِّ وَمَيْسَرَتِهِ، وَبَعَثَ إِلَى الْأَمِيرِ بَهَادِرَ قَائِدِ الْمَيْمَنَةِ بِمَا عَزَمَ مِنْ تَطْوِيقِ مَيْسَرَةِ الْعَدُوِّ، فَأَمَرَ الْأَمِيرُ بَهَادِرُ رِجَالَهُ بِالِانْتِشَارِ إِلَى الشَّرْقِ فِي اتِّجَاهٍ شَمَالِيٍّ.

بنك الأسئلة — الفقرة 15

وَبَقِيَ الْمَلِكُ الْمُظَفَّرُ يَحُثُّ أَصْحَابَهُ عَلَى تَوَسُّعِ الْمَجَالِ الَّذِي اخْتَرَقَهُ فِي صُفُوفِ الْعَدُوِّ؛ لِيُقِيمَ بِذَلِك بَرْزَخًا قَوِيًّا بَيْنَ مَيْسَرَةِ الْعَدُوِّ وَسَائِرِ جَيْشِهِ، فَلَمْ يَزَلِ الْبَرْزَخُ يَتَّسِعُ بِمَا يَنْدَفِعُ فِيهِ مِنْ صُفُوفِ الْجَيْشِ الْمِصْرِيِّ، وَكَانَ الْقِتَالُ أَحْمَى مَا يَكُونُ فِي جَانِبَيِ الْبَرْزَخِ وَلَا سِيَّمَا فِيمَا يَلِي قَلْبَ الْعَدُوِّ، حَيْثُ يُرَى كِتْبُغَا كَبِيرُ التَّتَارِ وَقَدِ اسْتَكْلَبَ فِي الْقِتَالِ وَهُوَ يُقَاتِلُ بِسَيْفِهِ، وَخَوَاصُّ رِجَالِهِ يَقُونَهُ بِأَنْفُسِهِمْ مِنَ الضَّرَبَاتِ فَيُصْرَعُونَ أَمَامَهُ وَحَوَالَيْهِ، وَالْمَلِكُ الْمُظَفَّرُ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الْبَرْزَخِ إِلَيْهِ فَأَرَادَ الْمُظَفَّرُ أَنْ يَلْقَاهُ فَتَقَدَّمَهُ أَصْحَابُهُ يَبْغُونَ أَنْ يَصُدُّوهُ عَنْ ذَلِك إِشْفَاقًا عَلَيْهِ، وَالسُّلْطَانُ يَقُولُ لَهُمْ: «دَعُونِي لَهُ لَيْسَ لَهُ قَاتِلٌ غَيْرِي! أُرِيدُ أَنْ أَقْتُلَهُ بِيَدِي!». فَلَمَّا أَعْيَاهُمْ ذَلِك انْتَدَبَ أَحَدُ أَبْطَالِهِمْ وَهُوَ الْأَمِيرُ جَمَالُ الدِّينِ آقُوشُ الشَّمْسِيُّ - وَكَانَ يُقَاتِلُ إِلَى جَانِبِ السُّلْطَانِ - فَأَبْصَرَ فُرْجَةً فَاكْتَحَمَهَا إِلَى قَائِدِ التَّتَارِ وَصَاحَ يُخَاطِبُ السُّلْطَانَ: «يَا خَوَنْدُ! أَنَا يَدُكَ! لَقَدْ قَتَلْتُ عَدُوَّ اللَّهِ بِيَدِكَ!»، وَأَهْوَى بِسَيْفِهِ عَلَى عَاتِقِ الطَّاغِيَةِ فَأَبَانَهُ، وَضَرَبَهُ كِتْبُغَا بِيَدِهِ الْأُخْرَى فَصَرَعَهُ مِنْ عَلَى فَرَسِهِ، وَلَكِنَّ الْأَمِيرَ آقُوشَ كَانَ قَدْ زَجَّ حِينَئِذٍ بِرُمْحِهِ فِي عُنُقِ الطَّاغِيَةِ، فَلَمَّا هَوَى مِنْ فَرَسِهِ هَوَى الطَّاغِيَةُ مَعَهُ وَرُمْحُ آقُوشَ نَاشِبٌ فِي حَلْقِهِ وَآقُوشُ قَابِضٌ عَلَى الرُّمْحِ بِيَدَيْهِ، وَكَبَّرَ الْأَمِيرُ آقُوشُ وَسُيُوفُ الْعَدُوِّ تَتَعَاوَرُهُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ - فَكَبَّرَ السُّلْطَانُ وَكَبَّرَ مَنْ حَوْلَهُ مَعَهُ، فَعَرَفَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ كِتْبُغَا قَدْ هَلَك، فَكَبَّرُوا جَمِيعًا بِصَوْتٍ وَاحِدٍ أَلْقَى الرُّعْبَ فِي قُلُوبِ التَّتَارِ، فَازْدَادَ هَلَعُهُمْ وَاخْتَلَّتْ صُفُوفُهُمْ وَأَخَذُوا يَتَقَهْقَرُونَ.

بنك الأسئلة — الفقرة 16

فَأَمَرَ السُّلْطَانُ جُنُودَ الْبَرْزَخِ وَصُفُوفَ الْمَيْمَنَةِ أَنْ يُكْمِلُوا تَطْوِيقَ مَيْسَرَةِ الْعَدُوِّ، وَانْدَفَعَ بَاقِي الْقَلْبِ إِلَى الْبَرْزَخِ؛ لِيُسَاعِدَ مَيْسَرَةَ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي عَلَيْهَا الْأَمِيرُ بَيْبَرْسُ عَلَى تَطْوِيقِ مَنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الْفِرَارِ مِنْ قَلْبِ الْعَدُوِّ وَمَيْمَنَتِهِ، فَانْحَصَرَ مُعْظَمُ جَيْشِ الْعَدُوِّ فِي هَاتَيْنِ الدَّائِرَتَيْنِ، وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْفِرَارِ، فَأَوْقَعَ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ وَأَفْنَوْهُمْ ضَرْبًا بِالسُّيُوفِ وَطَعْنًا بِالرِّمَاحِ حَتَّى امْتَلَأَ الْغَوْرُ بِجُثَثِهِمْ وَأَشْلَائِهِمْ وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ مِنْ سَاقَتِهِمُ الَّذِينَ تَمَكَّنُوا مِنَ الْفِرَارِ، وَاعْتَصَمَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ بِالتَّلِّ الْمُجَاوِرِ لِمَكَانِ الْوَقْعَةِ، وَأَخَذُوا يُمْطِرُونَ الْمُسْلِمِينَ بِوَابِلٍ مِنْ سِهَامِهِمْ، وَأَحْدَقَ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ وَصَابَرُوهُمْ فِي الْقِتَالِ، وَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ مُصْعِدِينَ حَتَّى سَحَقُوهُمْ سَحْقًا بَعْدَ أَنْ كَثُرَ قَتْلُ الْمُسْلِمِينَ دُونَ هَذَا التَّلِّ، لِمَا لَقُوهُ مِنْ سِهَامِ التَّتَارِ الَّتِي تَتَسَاقَطُ عَلَيْهِمْ كَالْمَطَرِ وَلَا تَكَادُ تُخْطِئُ أَهْدَافَهَا.

بنك الأسئلة — الفقرة 17

وَانْتَهَتِ الْمَعْرَكَةُ وَقَدْ تَهَلَّلَتْ وُجُوهُ الْمُسْلِمِينَ فَرَحًا وَاسْتِبْشَارًا بِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ هَذَا النَّصْرِ الْكَبِيرِ، وَبِمَا غَنِمُوا مِنْ أَمْوَالِ التَّتَارِ مِمَّا نَهَبُوهُ وَسَلَبُوهُ مِنْ أَغْنَى الْمُدُنِ وَالْبِلَادِ الَّتِي مَرُّوا بِهَا، فَكَانَتْ غَنِيمَةً عَظِيمَةً لَمْ يُرَ مِثْلُهَا فِي حُرُوبِ ذَلِك الْعَهْدِ. وَخَرَّ الْمَلِكُ الْمُظَفَّرُ سَاجِدًا لِرَبِّهِ، شَاكِرًا لِمَا اجْتَبَاهُ مِنْ أَنْعُمِهِ، وَأَطَالَ السُّجُودَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَالدُُّمُوعُ تَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ حَتَّى سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ فَالْتَقَى صَهْوَةَ جَوَادِهِ، وَخَطَبَ فِي جَيْشِهِ قَائِلًا: «أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! إِنَّ لِسَانِي يَعْجَزُ عَنْ شُكْرِكُمْ، وَاللَّهُ وَحْدَهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَجْزِيَكُمُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى. لَقَدْ صَدَقْتُمُ اللَّهَ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِهِ، فَنَصَرَ قَلِيلَكُمْ عَلَى كَثِيرِ عَدُوِّكُمْ، وَإِيَّاكُمْ وَالزَّهْوَ بِمَا صَنَعْتُمْ، وَلَكِنِ اشْكُرُوا اللَّهَ وَاخْضَعُوا لِقُوَّتِهِ وَجَلَالِهِ، إِنَّهُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ، وَمَا يُدْرِيكُمْ لَعَلَّ دَعَوَاتِ إِخْوَانِكُمُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمَنَابِرِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ الَّتِي حَمَلْتُمُوهُمْ فِيهَا عَلَى عَدُوِّكُمْ مِنْ هَذَا الْيَوْمِ الْعَظِيمِ، يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَفِي هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيمِ، شَهْرِ رَمَضَانَ، كَانَتْ أَمْضَى عَلَى عَدُوِّكُمْ مِنَ السُّيُوفِ الَّتِي بِهَا ضَرَبْتُمْ، وَالرِّمَاحِ الَّتِي بِهَا طَعَنْتُمْ، وَالْقِسِيِّ الَّتِي بِهَا رَمَيْتُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَمْ تَنْتَهُوا مِنَ الْجِهَادِ وَإِنَّمَا بَدَأْتُمُوهُ، وَأَنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَنْ يَرْضَيَا عَنْكُمْ حَتَّى تَقْضُوا حَقَّ الْإِسْلَامِ بِطَرْدِ أَعْدَائِهِ مِنْ سَائِرِ بِلَادِهِ، وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ، أَلَا فَتَرَحَّمُوا عَلَى إِخْوَانِكُمُ الَّذِينَ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْخَيْرِ، فَاخْتَارَ لَهُمُ الشَّهَادَةَ وَالْجَنَّةَ، وَاخْتَارَ لَكُمُ النَّصْرَ وَالْبَقَاءَ، لِتَعُودُوا لِلْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى، وَتَرَحَّمُوا عَلَى أَمَةِ اللَّهِ سُلْطَانَتِكُمْ، فَقَدْ صَدَقَتِ اللَّهَ مَا عَاهَدَتْهُ عَلَيْهِ، وَآثَرَتْ مَا عِنْدَهُ عَلَى مَا عِنْدَ عَبْدِهِ قُطُزَ!». وَهُنَا أَدْرَكَتْهُ الرِّقَّةُ فَبَكَى وَعَلَا نَحِيبُهُ، فَبَكَى الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا وَتَعَالَتْ أَصْوَاتُهُمْ بِالنَّحِيبِ، وَهُمْ يَقُولُونَ: «يَرْحَمُهَا اللَّهُ! يَرْحَمُهَا اللَّهُ».
أحمد عاطف — معلّم لغة عربية ومرشد تربوي
إعداد المعلّم أحمد عاطف
معلّم لغة عربية ومرشد تربوي · خبرة أكثر من 30 عامًا