ملخّص الفصل
عاش السلطان جلال الدين في مملكته الصغيرة بالهند مع ولديه محمود وجهاد، يتسلّى بقربهما ويغرس فيهما شجاعة آبائهما ورغبة قتال التتار، مع حرصه على تقوية جيشه وتتبع أخبار أعدائه. وعندما رأى انشغال جنكيز خان، خرج بجيشه واستصحب ولديه، واستطاع بفضل شجاعته وتأييد الأهالي استرداد مدنه وممالكه وصولاً إلى كابل وإيران، ثم حقق انتصارًا كبيراً على التتار في معركة مرو بمساعدة نجدة أهل بخارى وسمرقند.
غير أن الأحداث انقلبت رأساً على عقب حين افتقد جلال الدين ولديه محمود وجهاد أثناء اجتيازه بلاد الأكراد، حيث قُتل السائس سيرون واختُطف الطفلان. استبد اليأس والغم بجلال الدين فرفض المغادرة وظل يبحث عنهما حتى دنا منه خطر التتار ولجأ إلى بيت رجل كردي، وهناك تربص به كردي موتور وقتله بحربة غدراً بعدما خدعه بزعمه بيع ولديه لتجار الرقيق بالشام، ليموت السلطان جلال الدين حزيناً ومحطماً دون أن يعلم بمصير طفليه.
فصل من القصة — ص ١٦ - ٢٣
قبل أن نقرأ
يتوقع من عنوان الفصل معرفة تفاصيل حركة استرداد جلال الدين لممالكه، والنهاية المأساوية التي لحقت به عقب اختطاف ولديه.
- كيف استطاع السلطان جلال الدين استعادة مدنه وممالكه بالشرق والانتصار على التتار بمرو؟
- ما الفاجعة الأليمة التي تعرض لها جلال الدين ببلاد الأكراد وكيف كانت نهايته على يد الكردي الموتور؟
الفقرة 1
عَاشَ السُّلْطَانُ جَلَالُ الدِّينِ فِي مَمْلَكَتِهِ الصَّغِيرَةِ بِالْهِنْدِ عِيشَةً حَزِينَةً، تَسُودُهَا الذِّكْرَيَاتُ الأَلِيمَةُ، ذِكْرَيَاتُ مُلْكِهِ الذَّاهِبِ، وَذِكْرَيَاتُ أَهْلِهِ الهَالِكِينَ، وَكَانَ يَجِدُ سَلْوَاهُ الوَحِيدَةَ فِي وَلَدَيْهِ الحَبِيبَيْنِ مَحْمُودٍ وَجِهَادٍ، فَيَقْضِي جُلَّ أَوْقَاتِهِ مَعَهُمَا، يَنْزِلُ إِلَى عَالَمِهِمَا الصَّغِيرِ وَيُصَادِقُهُمَا، وَيَشْتَرِكُ مَعَهُمَا فِي أَلْعَابِهِمَا، وَيُجَارِيهِمَا فِي أَحَادِيثِهِمَا البَرِيئَةِ، وَأَحْلاَمِهِمَا الصَّافِيَةِ، فَيَجِدُ فِي ذَلِكَ لَذَّةً تُنْسِيهِ هُمُومَ الحَيَاةِ وَآلاَمَهَا. وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ لاَ يَنْسَى تَدْبِيرَ مُلْكِهِ، وَتَنْظِيمَ شُؤُونِهِ، وَتَقْوِيَةَ جَيْشِهِ وَتَعْزِيزَ هَيْبَتِهِ، فَكَانَ فِي كِفَاحٍ دَائِمٍ مَعَ أُمَرَاءِ المَمَالِكِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي تُكْتَنَفُ مَمْلَكَةَ لاَهُورَ، يَدْفَعُ غَارَاتِهِمْ عَلَى بِلاَدِهِ وَيَغْزُوهُمُ الفَيْنَةَ بَعْدَ الفَيْنَةِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَتَنَسَّمُ أَخْبَارَ مَمَالِكِهِ السَّابِقَةِ، وَيَرْقُبُ حَرَكَاتِ التَّتَارِ بِهَا، يَتَرَبَّصُ بِهِمُ الدَّوَائِرَ، وَيَنْتَظِرُ الفُرَصَ لِلاِنْقِضَاضِ عَلَيْهِمْ، وَالاِنْتِقَامِ مِنْهُمْ، وَاسْتِرْدَادِ مَمَالِكِهِ وَمَمَالِكِ أَبِيهِ مِنْ أَيْدِيهِمْ.
- الفكرة الرئيسة
- حَيَاةُ جَلَالِ الدِّينِ فِي الهِنْدِ بَيْنَ أُنْسِ طِفْلَيْهِ وَالاِسْتِعْدَادِ لِمُوَاجَهَةِ التَّتَارِ.
- سَلْوَاهُ: مَا يُعَزِّيهِ وَيُسَلِّيهِ عَنِ الحُزْنِ
- تُكْتَنَفُ: تُحِيطُ بِهَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ
- الفَيْنَةَ: الوَقْتَ وَالحِينَبَعْدَ الحِينِ
- يَتَرَبَّصُ: يَنْتَظِرُ وَيَتَرَقَّبُ
الفقرة 2
فَرَأَى جَلَالُ الدِّينِ أَنَّ الفُرْصَةَ سَانِحَةٌ، وَصَحَّتْ عَزِيمَتُهُ عَلَى اغْتِنَامِهَا، فَتَجَهَّزَ لِلْمَسِيرِ وَكَتَمَ خَبَرَهُ عَنِ النَّاسِ جَمِيعًا مَا عَدَا قَائِدَهُ الكَبِيرَ الأَمِيرَ بَهْلَوَان أُزْبُك؛ إِذِ اسْتَنَابَهُ عَلَى مَا يَمْلِكُ بِالْهِنْدِ وَتَرَكَ لَهُ جَيْشًا يَكْفِي لِحِمَايَتِهِ، وَسَارَ هُوَ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ قَسَّمَهُمْ إِلَى عَشْرِ فِرَقٍ، جَعَلَ عَلَى كُلِّ مِنْهَا أَمِيرًا، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسِيرُوا خَلْفَهُ عَلَى دُفُعَاتٍ مِنْ طُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ حَتَّى لاَ يَتَسَامَعَ النَّاسُ بِخَبَرِ مَسِيرِهِمْ. وَكَانَ قَبْلَ مَسِيرِهِ قَدْ فَكَّرَ مَلِيًّا فِي أَمْرِ وَلَدَيْهِ الحَبِيبَيْنِ وَتَرَدَّدَ طَوِيلاً أَيَسْتَصْحِبُهُمَا مَعَهُ أَمْ يَتْرُكُهُمَا بِالْهِنْدِ؟
- الفكرة الرئيسة
- تَجَهُّزُ جَلَالِ الدِّينِ لِلْمَسِيرِ وَتَقْسِيمُ جَيْشِهِ وَتَرَدُّدُهُ فِي أَمْرِ طِفْلَيْهِ.
- سَانِحَةٌ: مُهَيَّأَةٌ وَمُتَاحَةٌ
- اسْتَنَابَهُ: جَعَلَهُ نَائِبًا عَنْهُ فِي الحُكْمِ
- مَلِيًّا: طَوِيلاً مَعَ التَّفْكِيرِ العَمِيقِ
الفقرة 3
وَطَالَمَا سَمِعَا مِنْهُ أَوْ مِنَ الشَّيْخِ سَلاَمَةَ الهِنْدِيِّ أَخْبَارَ جَدِّهِمَا خُوَارَزْم شَاه وَوَقَائِعِهِ مَعَ التَّتَارِ، وَحُرُوبِ جَلَالِ الدِّينِ مَعَهُمْ مِنْ بَعْدِهِ، فَكَانَا يَطْرَبَانِ لِذَلِكَ وَيَتَحَمَّسَانِ، وَكَثِيرًا مَا كَانَ جَلَالُ الدِّينِ يَصِفُ لِمَحْمُودٍ شَجَاعَةَ وَالِدِهِ الأَمِيرِ مَمْدُودٍ وَحُسْنَ بَلاَئِهِ فِي قِتَالِهِمْ، فَمَا إِنْ سَمِعَ مَحْمُودٌ وَجِهَادٌ لِعَزْمِ جَلَالِ الدِّينِ عَلَى المَسِيرِ لِقِتَالِ التَّتَارِ وَاسْتِرْدَادِ بِلاَدِهِ؛ حَتَّى أَظْهَرَا لَهُ مِنَ الفَرَحِ وَالاِسْتِبْشَارِ بِذَلِكَ مَا جَعَلَهُ يَعْجَبُ مِنْ نَفْسِهِ، كَيْفَ فَكَّرَ فِي تَرْكِهِمَا بِالْهِنْدِ، فَسَارَ جَلَالُ الدِّينِ وَمَعَهُ خَوَاصُّ رِجَالِهِ، وَعَبَرُوا نَهْرَ السِّنْدِ فِي مَرَاكِبَ عَظِيمَةٍ قَدْ أَعَدَّهَا، فَالْتَقَوْا جَمِيعًا عِنْدَ مَمَرِّ خَيْبَرَ، فَمَضَى يَفْتَتِحُ المَدِينَةَ بَعْدَ المَدِينَةِ حَتَّى وَصَلَ كَرْمَانَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى الأَهْوَازِ فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، ثُمَّ أَذْرَبِيجَانَ فَـمَلَكَهَا، وَدَانَتْ لَهُ سَائِرُ بِلاَدِ إِيرَانَ.
- الفكرة الرئيسة
- حَمَاسَةُ الطِّفْلَيْنِ لِلْقِتَالِ وَاصْطِحَابُهُمَا وَاسْتِرْدَادُ جَلَالِ الدِّينِ لِمَمَالِكِ إِيرَانَ.
- يَطْرَبَانِ: يَهْتَزَّانِ فَرَحًا وَإِعْجَابًا
- دَانَتْ: خَضَعَتْ وَأَطَاعَتْ
- خَوَاصُّ: المُقَرَّبُونَ المَوْثُوقُونَ مِنْ رِجَالِهِ
الفقرة 4
وَمَا إِنْ أَتَمَّ ذَلِكَ حَتَّى بَلَغَهُ أَنَّ جَنْكِيزَ خَانَ قَدْ أَرْسَلَ جُيُوشًا عَظِيمَةً لِقِتَالِهِ بِقِيَادَةِ أَحَدِ أَبْنَائِهِ، فَتَجَهَّزَ لِلِقَائِهِمْ، وَسَارَ بِأَرْبَعِينَ أَلْفًا يَتَقَدَّمُهُمْ جَيْشُهُ الخَاصُّ (جَيْشُ الخَلاَصِ)، فَلَقِيَ جُمُوعَ التَّتَارِ فِي سَهْلِ مَرْو، وَدَارَتْ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مَعْرَكَةٌ مِنْ أَهْوَلِ المَعَارِكِ، ثَبَتَ فِيهَا جَيْشُ الخَلاَصِ، ثُمَّ اضْطَرَبَتْ صُفُوفُ المُسْلِمِينَ، حَتَّى أَقْبَلَ جَيْشُ بُخَارَى وَسَمَرْقَنْدَ مِنْ خَلْفِ التَّتَارِ يُكَبِّرُونَ، فَانْقَضُّوا عَلَى التَّتَارِ وَأَبَادُوهُمْ عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهِمْ، وَتَصَافَحَ الفَرِيقَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ احْتِفَالاً بِالنَّصْرِ.
- الفكرة الرئيسة
- احْتِدَامُ مَعْرَكَةِ سَهْلِ مَرْو وَمَجِيءُ نَجْدَةِ المُسْلِمِينَ لِتَحْقِيقِ النَّصْرِ.
- جَيْشُ الخَلاَصِ: الجَيْشُ الخَاصُّ الَّذِي أَتَى بِهِ مِنْ الهِنْدِ
- عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهِمْ: جَمِيعًا دُونَ أَنْ يَبْقَى مِنْهُمْ أَحَدٌ
- انْقَضُّوا: هَجَمُوا بِقُوَّةٍ وَسُرْعَةٍ
الفقرة 5
وَكَانَ جَلَالُ الدِّينِ يَعْلَمُ حَقَّ العِلْمِ أَنَّ جَنْكِيزَ خَانَ آتٍ بِجُمُوعِهِ يَوْمًا مَا لِلاِنْتِقَامِ مِنْهُ، إِلَى أَنْ جَاءَتْهُ كُتُبٌ مِنْ بِلاَدِهِ تُنْبِئُهُ بِسَيْرِ جَنْكِيزَ خَانَ، فَطَارَ إِلَيْهَا عَلَى عَجَلٍ، فَافْتَقَدَ فِي طَرِيقِهِ ثَمَرَتَيْ قَلْبِهِ وَأُنْسَ حَيَاتِهِ مَحْمُودًا وَجِهَادًا حِينَ كَانَ يَجْتَازُ بِلاَدَ الأَكْرَادِ قَافِلاً إِلَى بِلاَدِهِ، فَطَلَبَهُمَا فِي كُلِّ مَكَانٍ وَالْتَمَسَهُمَا بِكُلِّ سَبِيلٍ كَأَنَّمَا ابْتَلَعَتْهُمَا الأَرْضُ، وَاسْتَبَدَّ بِهِ اليَأْسُ وَالغَمُّ.
- الفكرة الرئيسة
- اِخْتِفَاءُ مَحْمُودٍ وَجِهَادٍ فِي بِلاَدِ الأَكْرَادِ وَاسْتِبْدَادُ الحُزْنِ بِجَلَالِ الدِّينِ.
- تُنْبِئُهُ: تُخْبِرُهُ وَتُعْلِمُهُ
- قَافِلاً: رَاجِعًا وَعَائِدًا
- اسْتَبَدَّ بِهِ: سَيْطَرَ عَلَيْهِ وَتَمَلَّكَهُ
الفقرة 6
وَبَيْنَمَا هُوَ فِي جَبَلِ الأَكْرَادِ يَبْحَثُ عَنْهُمَا، جَاءَتْ طَلاَئِعُ التَّتَارِ، فَلَجَأَ جَلَالُ الدِّينِ إِلَى بَيْتِ رَجُلٍ كُرْدِيٍّ فَأَمَّنَهُ، وَلَكِنَّ كُرْدِيًّا آخَرَ مَوْتُورًا مِنْهُ دَخَلَ البَيْتَ فِي غِيَابِ صَاحِبِهِ وَمَعَهُ حَرْبَةٌ، وَزَعَمَ لِجَلَالِ الدِّينِ أَنَّهُ اخْتَطَفَ وَلَدَيْهِ وَبَاعَهُمَا لِتُجَّارِ الرَّقِيقِ بِالشَّامِ، فَافْتَكَّتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ بِجَلَالِ الدِّينِ وَفَقَدَ رَغْبَتَهُ فِي الحَيَاةِ، فَاسْتَسْلَمَ لِلْكُرْدِيِّ الَّذِي طَعَنَهُ بِالحَرْبَةِ فِي صَدْرِهِ فَقَتَلَهُ، لِيَمُوتَ السُّلْطَانُ جَلَالُ الدِّينِ حَزِينًا دُونَ أَنْ يَعْلَمَ بِمَصِيرِ طِفْلَيْهِ.
- الفكرة الرئيسة
- مَقْتَلُ جَلَالِ الدِّينِ غَدْرًا عَلَى يَدِ الكُرْدِيِّ المَوْتُورِ بَعْدَ خَدِيعَتِهِ بِمَصِيرِ وَلَدَيْهِ.
- مَوْتُورًا: صَاحِبَ ثَأْرٍ وَعَدَاوَةٍ قَدِيمَةٍ
- افْتَكَّتْ: دَمَّرَتْ وَحَطَّمَتْ نَفْسِيَّتَهُ
- الرَّقِيقِ: العَبِيدِ وَالمَمَالِيكِ
شبكة الأفكار
استعادة جلال الدين لممالكه ونهايته المأساوية ببلاد الأكراد
- الحياة بالهند والإعداد للقتال: الأنس بطفليه محمود وجهاد في لاهور.، تجهيز الجيش واستنابة بهلوان أزبك على الهند.
- الانتقال واسترداد الممالك: عبور نهر السند واستعادة كابل وإيران.، تحقيق النصر الحاسِم على التتار في معركة مرو.
- فاجعة اختفاء الطفلين: فقد محمود وجهاد أثناء اجتياز بلاد الأكراد.، استبداد الحزن واليأس بالسلطان جلال الدين.
- مقتل السلطان جلال الدين: لجوء السلطان لبيت رجل كردي هربًا من التتار.، مقتله بطعنة حربة غدرًا على يد كردي موتور.
القيم والدروس المستفادة
- الصبر والصلابة عند مواجهة النكبات والشدائد.
- الحذر من الخديعة والغدر في أوقات الأزمات.
- أهمية ترابط المسلمين ونجدتهم لبعضهم في الحروب.
الملخص في خمس جمل
- عاش السلطان جلال الدين في مملكته بالهند يتسلّى بطفليه محمود وجهاد ويعد جيشه لمواجهة التتار.
- خرج جلال الدين بخمسة آلاف مقاتل واسترد مدنه وممالكه بالشرق وصولاً إلى كابل وإيران.
- حقق جلال الدين انتصارًا عظيمًا على التتار في معركة مرو بمساعدة نجدة أهل بخارى وسمرقند.
- فُجِعَ جلال الدين باختفاء ولديه محمود وجهاد أثناء عودته عبر بلاد الأكراد فاستبد به الحزن والغم.
- لجأ السلطان إلى بيت كردي هربًا من التتار فقتله كردي موتور بحربة غدرًا بعد أن خدعه ببيع ولديه.
بنك الأسئلة — الفقرة 1
عَاشَ السُّلْطَانُ جَلَالُ الدِّينِ فِي مَمْلَكَتِهِ الصَّغِيرَةِ بِالْهِنْدِ عِيشَةً حَزِينَةً، تَسُودُهَا الذِّكْرَيَاتُ الأَلِيمَةُ، ذِكْرَيَاتُ مُلْكِهِ الذَّاهِبِ، وَذِكْرَيَاتُ أَهْلِهِ الهَالِكِينَ، وَكَانَ يَجِدُ سَلْوَاهُ الوَحِيدَةَ فِي وَلَدَيْهِ الحَبِيبَيْنِ مَحْمُودٍ وَجِهَادٍ، فَيَقْضِي جُلَّ أَوْقَاتِهِ مَعَهُمَا، يَنْزِلُ إِلَى عَالَمِهِمَا الصَّغِيرِ وَيُصَادِقُهُمَا، وَيَشْتَرِكُ مَعَهُمَا فِي أَلْعَابِهِمَا، وَيُجَارِيهِمَا فِي أَحَادِيثِهِمَا البَرِيئَةِ، وَأَحْلاَمِهِمَا الصَّافِيَةِ، فَيَجِدُ فِي ذَلِكَ لَذَّةً تُنْسِيهِ هُمُومَ الحَيَاةِ وَآلاَمَهَا. وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ لاَ يَنْسَى تَدْبِيرَ مُلْكِهِ، وَتَنْظِيمَ شُؤُونِهِ، وَتَقْوِيَةَ جَيْشِهِ وَتَعْزِيزَ هَيْبَتِهِ، فَكَانَ فِي كِفَاحٍ دَائِمٍ مَعَ أُمَرَاءِ المَمَالِكِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي تُكْتَنَفُ مَمْلَكَةَ لاَهُورَ، يَدْفَعُ غَارَاتِهِمْ عَلَى بِلاَدِهِ وَيَغْزُوهُمُ الفَيْنَةَ بَعْدَ الفَيْنَةِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَتَنَسَّمُ أَخْبَارَ مَمَالِكِهِ السَّابِقَةِ، وَيَرْقُبُ حَرَكَاتِ التَّتَارِ بِهَا، يَتَرَبَّصُ بِهِمُ الدَّوَائِرَ، وَيَنْتَظِرُ الفُرَصَ لِلاِنْقِضَاضِ عَلَيْهِمْ، وَالاِنْتِقَامِ مِنْهُمْ، وَاسْتِرْدَادِ مَمَالِكِهِ وَمَمَالِكِ أَبِيهِ مِنْ أَيْدِيهِمْ.
بنك الأسئلة — الفقرة 2
فَرَأَى جَلَالُ الدِّينِ أَنَّ الفُرْصَةَ سَانِحَةٌ، وَصَحَّتْ عَزِيمَتُهُ عَلَى اغْتِنَامِهَا، فَتَجَهَّزَ لِلْمَسِيرِ وَكَتَمَ خَبَرَهُ عَنِ النَّاسِ جَمِيعًا مَا عَدَا قَائِدَهُ الكَبِيرَ الأَمِيرَ بَهْلَوَان أُزْبُك؛ إِذِ اسْتَنَابَهُ عَلَى مَا يَمْلِكُ بِالْهِنْدِ وَتَرَكَ لَهُ جَيْشًا يَكْفِي لِحِمَايَتِهِ، وَسَارَ هُوَ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ قَسَّمَهُمْ إِلَى عَشْرِ فِرَقٍ، جَعَلَ عَلَى كُلِّ مِنْهَا أَمِيرًا، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسِيرُوا خَلْفَهُ عَلَى دُفُعَاتٍ مِنْ طُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ حَتَّى لاَ يَتَسَامَعَ النَّاسُ بِخَبَرِ مَسِيرِهِمْ. وَكَانَ قَبْلَ مَسِيرِهِ قَدْ فَكَّرَ مَلِيًّا فِي أَمْرِ وَلَدَيْهِ الحَبِيبَيْنِ وَتَرَدَّدَ طَوِيلاً أَيَسْتَصْحِبُهُمَا مَعَهُ أَمْ يَتْرُكُهُمَا بِالْهِنْدِ؟
بنك الأسئلة — الفقرة 3
وَطَالَمَا سَمِعَا مِنْهُ أَوْ مِنَ الشَّيْخِ سَلاَمَةَ الهِنْدِيِّ أَخْبَارَ جَدِّهِمَا خُوَارَزْم شَاه وَوَقَائِعِهِ مَعَ التَّتَارِ، وَحُرُوبِ جَلَالِ الدِّينِ مَعَهُمْ مِنْ بَعْدِهِ، فَكَانَا يَطْرَبَانِ لِذَلِكَ وَيَتَحَمَّسَانِ، وَكَثِيرًا مَا كَانَ جَلَالُ الدِّينِ يَصِفُ لِمَحْمُودٍ شَجَاعَةَ وَالِدِهِ الأَمِيرِ مَمْدُودٍ وَحُسْنَ بَلاَئِهِ فِي قِتَالِهِمْ، فَمَا إِنْ سَمِعَ مَحْمُودٌ وَجِهَادٌ لِعَزْمِ جَلَالِ الدِّينِ عَلَى المَسِيرِ لِقِتَالِ التَّتَارِ وَاسْتِرْدَادِ بِلاَدِهِ؛ حَتَّى أَظْهَرَا لَهُ مِنَ الفَرَحِ وَالاِسْتِبْشَارِ بِذَلِكَ مَا جَعَلَهُ يَعْجَبُ مِنْ نَفْسِهِ، كَيْفَ فَكَّرَ فِي تَرْكِهِمَا بِالْهِنْدِ، فَسَارَ جَلَالُ الدِّينِ وَمَعَهُ خَوَاصُّ رِجَالِهِ، وَعَبَرُوا نَهْرَ السِّنْدِ فِي مَرَاكِبَ عَظِيمَةٍ قَدْ أَعَدَّهَا، فَالْتَقَوْا جَمِيعًا عِنْدَ مَمَرِّ خَيْبَرَ، فَمَضَى يَفْتَتِحُ المَدِينَةَ بَعْدَ المَدِينَةِ حَتَّى وَصَلَ كَرْمَانَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى الأَهْوَازِ فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، ثُمَّ أَذْرَبِيجَانَ فَـمَلَكَهَا، وَدَانَتْ لَهُ سَائِرُ بِلاَدِ إِيرَانَ.
بنك الأسئلة — الفقرة 4
وَمَا إِنْ أَتَمَّ ذَلِكَ حَتَّى بَلَغَهُ أَنَّ جَنْكِيزَ خَانَ قَدْ أَرْسَلَ جُيُوشًا عَظِيمَةً لِقِتَالِهِ بِقِيَادَةِ أَحَدِ أَبْنَائِهِ، فَتَجَهَّزَ لِلِقَائِهِمْ، وَسَارَ بِأَرْبَعِينَ أَلْفًا يَتَقَدَّمُهُمْ جَيْشُهُ الخَاصُّ (جَيْشُ الخَلاَصِ)، فَلَقِيَ جُمُوعَ التَّتَارِ فِي سَهْلِ مَرْو، وَدَارَتْ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مَعْرَكَةٌ مِنْ أَهْوَلِ المَعَارِكِ، ثَبَتَ فِيهَا جَيْشُ الخَلاَصِ، ثُمَّ اضْطَرَبَتْ صُفُوفُ المُسْلِمِينَ، حَتَّى أَقْبَلَ جَيْشُ بُخَارَى وَسَمَرْقَنْدَ مِنْ خَلْفِ التَّتَارِ يُكَبِّرُونَ، فَانْقَضُّوا عَلَى التَّتَارِ وَأَبَادُوهُمْ عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهِمْ، وَتَصَافَحَ الفَرِيقَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ احْتِفَالاً بِالنَّصْرِ.
بنك الأسئلة — الفقرة 5
وَكَانَ جَلَالُ الدِّينِ يَعْلَمُ حَقَّ العِلْمِ أَنَّ جَنْكِيزَ خَانَ آتٍ بِجُمُوعِهِ يَوْمًا مَا لِلاِنْتِقَامِ مِنْهُ، إِلَى أَنْ جَاءَتْهُ كُتُبٌ مِنْ بِلاَدِهِ تُنْبِئُهُ بِسَيْرِ جَنْكِيزَ خَانَ، فَطَارَ إِلَيْهَا عَلَى عَجَلٍ، فَافْتَقَدَ فِي طَرِيقِهِ ثَمَرَتَيْ قَلْبِهِ وَأُنْسَ حَيَاتِهِ مَحْمُودًا وَجِهَادًا حِينَ كَانَ يَجْتَازُ بِلاَدَ الأَكْرَادِ قَافِلاً إِلَى بِلاَدِهِ، فَطَلَبَهُمَا فِي كُلِّ مَكَانٍ وَالْتَمَسَهُمَا بِكُلِّ سَبِيلٍ كَأَنَّمَا ابْتَلَعَتْهُمَا الأَرْضُ، وَاسْتَبَدَّ بِهِ اليَأْسُ وَالغَمُّ.
بنك الأسئلة — الفقرة 6
وَبَيْنَمَا هُوَ فِي جَبَلِ الأَكْرَادِ يَبْحَثُ عَنْهُمَا، جَاءَتْ طَلاَئِعُ التَّتَارِ، فَلَجَأَ جَلَالُ الدِّينِ إِلَى بَيْتِ رَجُلٍ كُرْدِيٍّ فَأَمَّنَهُ، وَلَكِنَّ كُرْدِيًّا آخَرَ مَوْتُورًا مِنْهُ دَخَلَ البَيْتَ فِي غِيَابِ صَاحِبِهِ وَمَعَهُ حَرْبَةٌ، وَزَعَمَ لِجَلَالِ الدِّينِ أَنَّهُ اخْتَطَفَ وَلَدَيْهِ وَبَاعَهُمَا لِتُجَّارِ الرَّقِيقِ بِالشَّامِ، فَافْتَكَّتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ بِجَلَالِ الدِّينِ وَفَقَدَ رَغْبَتَهُ فِي الحَيَاةِ، فَاسْتَسْلَمَ لِلْكُرْدِيِّ الَّذِي طَعَنَهُ بِالحَرْبَةِ فِي صَدْرِهِ فَقَتَلَهُ، لِيَمُوتَ السُّلْطَانُ جَلَالُ الدِّينِ حَزِينًا دُونَ أَنْ يَعْلَمَ بِمَصِيرِ طِفْلَيْهِ.

