ملخّص الفصل
وصل تاجر الرقيق بالصبيين قطز وجلنار إلى مدينة حلب وأنزلهما في بيت أحد معارفه، حيث أحسن معاملتهما وكساهما ثياباً حسنة وسلاهما بالقصص الفارسية التي يجيدها. وكان لدى التاجر مملوك ثالث في سنهما يدعى بيبرس، يعامله التاجر بقسوة وشدة لتموده وسوء خلقه وميله للفرار، غير أن قطز عطف عليه وصار يشاركه طعامه وحلواه خفية فنشأت بينهما صداقة متينة، في حين شعرت جلنار بنفور شديد منه.
وعند عرض الصبيان في سوق الرقيق بحلب، بيع بيبرس لتاجر مصري بمائة دينار. ثم أقيمت جلنار وقطز على دكة البيع، فرغب في شرائهما رجل دمشقي جليل هو الشيخ غانم المقدسي؛ ولما لاحظ عطفهما المتبادل ونظرات التوسل من جلنار لعدم التفريق بينهما، اشتراهما معاً وأنقذهما من خطر الفراق الأليم، ليرتحلا معه في أمن وسعادة إلى دمشق.
فصل من القصة — ص ٢٩ - ٣٣
قبل أن نقرأ
يتوقع من الفصل معرفة تفاصيل إقامة قطز وجلنار بحلب وكيفية بيعهما في سوق النخاسة ومصير اجتماعهما.
- كيف تفاوتت معاملة تاجر الرقيق بحلب بين قطز وجلنار من جهة ومملوكه بيبرس من جهة أخرى؟
- كيف تمكن الشيخ غانم المقدسي من إنقاذ قطز وجلنار من خطر الفراق في سوق الرقيق؟
الفقرة 1
أَمَّا قُطُزُ وَجُلَّنَارُ، فَقَدْ وَصَلَ بِهِمَا التَّاجِرُ إِلَى حَلَبَ، فَأَنْزَلَهُمَا مَعًا فِي بَيْتِ بَعْضِ مَعَارِفِهِ، وَلَمْ يُكَلِّفْهُمَا أَيَّ عَمَلٍ يَقُومَانِ بِهِ، وَلَمْ يَحْبِسْهُمَا فِي الْمَنْزِلِ بَلْ أَرَاحَهُمَا، وَكَسَاهُمَا ثِيَابًا حَسَنَةً، وَتَرَكَهُمَا يَجِيئَانِ وَيَذْهَبَانِ كَمَا شَاءَا فِي سَاحَةِ الْحَيِّ، وَكَانَ لَطِيفًا مَعَهُمَا طَوَالَ الطَّرِيقِ، يُقَدِّمُ لَهُمَا الطَّعَامَ، وَيُسَاعِدُهُمَا فِي الرُّكُوبِ وَالنُّزُولِ، وَيُجَاذِبُهُمَا أَطْرَافَ الْحَدِيثِ وَيُدَاعِبُهُمَا، وَيُسَلِّيهِمَا بِالْقِصَصِ وَالنَّوَادِرِ بِاللُّغَةِ الْفَارِسِيَّةِ الَّتِي كَانَ يُجِيدُهَا إِجَادَةً حَسَنَةً، حَتَّى مَالَ الصَّبِيَّانِ إِلَيْهِ، وَخَفَّ عَنْهُمَا مَا كَانَا يَجِدَانِ مِنَ الْوَحْشَةِ وَالْقَلَقِ، وَنَظَرَا إِلَيْهِ كَأَنَّهُ صَدِيقٌ لَهُمَا، لَا مَالِكٌ اشْتَرَاهُمَا بِالْمَالِ. وَكَانَ لِلتَّاجِرِ مَمْلُوكٌ ثَالِثٌ فِي سِنِّهِمَا، يُدْعَى بَيْبَرَسَ، قَدْ أَحْضَرَهُ إِلَيْهِ أَحَدُ وُكَلَائِهِ، فَضَمَّهُ إِلَيْهِمَا وَلَكِنَّهُ كَانَ يُعَامِلُهُ مُعَامَلَةً قَاسِيَةً، وَيَضْرِبُهُ وَيَحْبِسُهُ فِي الْمَنْزِلِ لَا يَبْرَحُهُ مِثْلَهُمَا، فَعَجِبَا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ مِنْ خُلُقِ الرَّجُلِ كَيْفَ يَرْفُقُ بِهِمَا ذَلِكَ الرِّفْقَ، ثُمَّ يَقْسُو هَذِهِ الْقَسْوَةَ عَلَى الْغُلَامِ؟ وَلَكِنْ سَرَعَانَ مَا زَالَ عَجَبُهُمَا حِينَ عَرَفَا بَيْبَرَسَ وَتَمَرُّدَهُ عَلَى مَوْلَاهُ، وَسُوءَ خُلُقِهِ مَعَهُ، وَمَيْلَهُ دَائِمًا لِلْإِبَاقِ مِنْهُ، فَأَدْرَكَا حِينَئِذٍ أَنَّ مَوْلَاهُمَا حَكِيمٌ فِي سِيَاسَتِهِ، يُعَامِلُ كُلًّا بِمَا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الشِّدَّةِ وَاللِّينِ. عَلَى أَنَّهُمَا مَعَ ذَلِكَ لَمْ يَخْلُوَا مِنَ الرِّقَّةِ لِهَذَا الْغُلَامِ الْقَبْجَاقِيِّ الْأَشْقَرِ، ذِي الْعُيُونِ الزُّرْقِ الَّتِي تَنُمُّ عَنِ الْحِيلَةِ وَالْمَكْرِ، فَكَانَ قُطُزُ يُحْسِنُ إِلَيْهِ عَلَى غَيْرِ عِلْمِ هَؤُلَاءِ، وَيَقْتَطِعُ لَهُ شَيْئًا مِنْ إِدَامِهِ وَحَلْوَاهُ فَيُقَدِّمُهُ لَهُ فَيَلْتَهِمُهُ الصَّبِيُّ الْتِهَامًا، فَنَشَأَتْ مِنْ جَرَّاءِ ذَلِكَ صَدَاقَةٌ مَتِينَةٌ بَيْنَهُمَا، أَمَّا جُلَّنَارُ فَكَانَتْ مَعَ شَفَقَتِهَا عَلَيْهِ تَشْعُرُ بِنُفُورٍ شَدِيدٍ مِنْهُ، وَتَتَّقِي نَظَرَاتِهِ الْحَادَّةَ كَأَنَّهَا سِهَامٌ مَاضِيَةٌ لَا تَقْوَى عَلَى احْتِمَالِهَا عَيْنَاهَا الْوَدِيعَتَانِ.
- الفكرة الرئيسة
- إِقَامَةُ قُطُزَ وَجُلَّنَارَ بِحَلَبَ وَحُسْنُ مُعَامَلَةِ التَّاجِرِ لَهُمَا وَصَدَاقَةُ قُطُزَ مَعَ بَيْبَرَسَ.
- النَّوَادِرِ: الْقِصَصُ الطَّرِيفَةُ الْغَرِيبَةُ
- الْإِبَاقِ: الْهَرَبُ وَالْفِرَارُ
- تَنُمُّ: تَكْشِفُ وَتَدُلُّ
الفقرة 2
وَمَا هِيَ إِلَّا أَيَّامٌ قَلَائِلُ حَتَّى حَلَّ مَوْعِدُ السُّوقِ بِحَلَبَ، وَكَانَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ مِنْ كُلِّ أُسْبُوعٍ، فَتَقَاطَرَ إِلَيْهِ النَّاسُ مِنْ سَائِرِ مُدُنِ الشَّامِ وَقُرَاهُ؛ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَبِيعُوا وَيَبْتَاعُوا، وَكَانَ يُقَامُ فِي رَحْبَةٍ وَاسِعَةٍ فِي طَرَفٍ مِنْ أَطْرَافِ الْمَدِينَةِ تُنْصَبُ فِيهَا الْخِيَامُ، وَتُضْرَبُ فِيهَا السُّرَادِقَاتُ الْعَظِيمَةُ وَتُقَسَّمُ أَقْسَامًا: فَقِسْمٌ لِلْحُبُوبِ وَالْغِلَالِ، وَقِسْمٌ لِلْأَقْمِشَةِ وَالْمَلَابِسِ مِنَ الصُّوفِ وَالْقُطْنِ وَالْكِتَّانِ وَالْحَرِيرِ، وَقِسْمٌ لِلْآنِيَةِ وَالسُّرُجِ وَسَائِرِ أَدَوَاتِ الْمَنْزِلِ، وَقِسْمٌ لِلْأَدْوِيَةِ وَالْعُطُورِ، وَالْأَدْهِنَةِ وَالْمُقَوِّيَاتِ، وَقِسْمٌ لِلْخُيُولِ وَالْمَوَاشِي، وَقِسْمٌ لِلْجَوَارِي وَالْعَبِيدِ، وَقِسْمٌ لِمَا هُنَالِكَ، وَكَانَ كُلُّ قِسْمٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ يُسَمَّى سُوقًا، فَسُوقُ الْغِلَالِ، وَسُوقُ الْبَزِّ، وَسُوقُ الرَّقِيقِ، وَسُوقُ الْخَيْلِ، وَهَلُمَّ جَرًّا.
- الفكرة الرئيسة
- وَصْفُ سُوقِ حَلَبَ الْكَبِيرِ وَتَقْسِيمَاتِهِ الْمُخْتَلِفَةِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ.
- تَقَاطَرَ: تَوَافَدَ وَجَاءَ جَمَاعَاتٍ متَتَابِعَةً
- رَحْبَةٍ: سَاحَةٍ وَاسِعَةٍ
- الْبَزِّ: تِجَارَةُ الْقُمَاشِ وَالثِّيَابِ
الفقرة 3
وَلَمَّا أَصْبَحَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ أَمَرَ التَّاجِرُ مَوَالِيَهُ الثَّلَاثَةَ فَاغْتَسَلُوا وَكَسَاهُمْ، وَأَصْلَحَ شُعُورَهُمْ وَطَيَّبَهُمْ، ثُمَّ مَضَى بِهِمْ إِلَى السُّوقِ الْكَبِيرِ، أَمَّا بَيْبَرَسُ فَقَدْ أَمْسَكَ التَّاجِرُ بِيَدِهِ يَجُرُّهُ جَرًّا وَهُوَ يَسُبُّهُ وَيَلْعَنُهُ، وَأَمَّا قُطُزُ وَجُلَّنَارُ فَقَدْ أَطْلَقَهُمَا، فَسَارَا فَرِحَيْنِ مَا يَظُنَّانِ إِلَّا أَنَّهُمَا ذَاهِبَانِ لِشُهُودِ هَذَا الْمَوْسِمِ الْعَظِيمِ، وَالتَّفَرُّجِ عَلَى مَا فِيهِ، حَتَّى بَلَغَ بِهِمْ سُوقَ الرَّقِيقِ فَإِذَا سُرَادِقَاتٌ عَظِيمَةٌ مَمْلُوءَةٌ بِالْجَوَارِي وَالْغِلْمَانِ مِنْ بِيضٍ وَسُودٍ وَأَلْوَانٍ بَيْنَ ذَلِكَ شَتَّى، وَقَدْ جَلَسُوا عَلَى الْحُصُرِ جَمَاعَاتٍ مُتَفَرِّقَةً، وَقَامَ عَلَى كُلِّ جَمَاعَةٍ مِنْهُمُ الدَّلَّالُ الَّذِي عُهِدَ إِلَيْهِ بِبَيْعِهِمَا، فَيَأْخُذُ الدَّلَّالُ أَحَدَهُمْ وَيُوقِفُهُ عَلَى دَكَّةٍ مَنْصُوبَةٍ أَمَامَهُ، وَيُنَادِي عَلَيْهِ بَيْنَ الَّذِينَ حَضَرُوا لِلِابْتِيَاعِ بِكَلِمَاتٍ مَسْجُوعَةٍ أَوْ مَنْظُومَةٍ فِي الْإِشَادَةِ بِمَحَاسِنِ الْمَعْرُوضِ لِلتَّرْغِيبِ فِي شِرَائِهِ. وَهَؤُلَاءِ السَّمَاسِرَةُ يَفْتَنُونِ فِي ذَلِكَ افْتِنَانًا عَجِيبًا، وَيَسْتَعِينُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِالشُّعَرَاءِ؛ لِيَنْظِمُوا لَهُمْ مَقْطُوعَاتٍ فِي أَوْصَافِ الْجَوَارِي وَالْغِلْمَانِ وَنُعُوتِهِمُ الْمُخْتَلِفَةِ، فَيُنَادُونَ بِهَا عَلَى مَنْ يَعْرِضُونَ مِنَ الرَّقِيقِ بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ الْمَقَامُ. وَمَا أَنْ سَلَّمَ النَّخَّاسُ مَوَالِيَهُ الثَّلَاثَةَ إِلَى أَحَدِ الدَّلَّالِينَ حَتَّى جَعَلَ يُقَلِّبُهُمْ، وَيُصْعِدُ النَّظَرَ فِيهِمْ، كَأَنَّهُ يَخْتَبِرُ نُعُوتَهُمْ، وَيَتَبَيَّنُ سِمَاتِهِمْ، ثُمَّ كَتَبَ أَسْمَاءَهُمْ فِي دَفْتَرِهِ، وَتَحْتَ كُلِّ اسْمٍ مِنْهَا صِفَتُهُ وَسِنُّهُ وَأَصْلُهُ، وَأَقَلُّ قِيمَةٍ يَطْلُبُهَا صَاحِبُهُ فِيهِ ثُمَّ دَفَعَهُمْ إِلَى الْحَصِيرِ، فَقَعَدُوا عَلَيْهِ بَيْنَ غَيْرِهِمْ مِنَ الرَّقِيقِ الَّذِي عِنْدَهُ.
- الفكرة الرئيسة
- الذَّهَابُ لِسُوقِ الرَّقِيقِ وَتَسْلِيمُ الْمَمَالِيكِ الثَّلَاثَةِ لِلَّدَّالِ لِتَسْجِيلِهِمْ وَعَرْضِهِمْ.
- لِلِابْتِيَاعِ: لِلشِّرَاءِ
- نُعُوتَهُمْ: صِفَاتِهِمْ وَأَوْصَافَهُمْ
- سِمَاتِهِمْ: عَلَامَاتِهِمْ وَمَلَامِحَهُمْ
الفقرة 4
أَمَّا بَيْبَرَسُ فَقَعَدَ مُطْمَئِنًّا لَا أَثَرَ عَلَيْهِ مِنْ امْتِعَاضٍ أَوْ اكْتِئَابٍ، وَجَعَلَ يُجِيلُ نَظَرَاتِهِ الْحَادَّةَ فِيمَنْ حَوْلَهُ مِنَ النَّاسِ، فَإِذَا رَأَى عَبْدًا أَسْوَدَ، أَوْ جَارِيَةً شَوْهَاءَ أَوْ غُلَامًا قَبِيحَ الْخِلْقَةِ، ضَحِكَ عَلَيْهِ، وَأَشَارَ لِقُطُزَ إِلَيْهِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِالدَّلَّالِ الَّذِي كَانَ يَحُدُّهُ بِالنَّظَرِ، مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَيُقَطِّبُ لَهُ لِيَرْدَعَهُ بِذَلِكَ عَنْ عَمَلِهِ، فَمَا يُجِيبُهُ بَيْبَرَسُ بِغَيْرِ إِخْرَاجِ لِسَانِهِ، وَتَحْرِيكِ حَاجِبَيْهِ. وَأَمَّا قُطُزُ وَجُلَّنَارُ فَقَدْ غَلَبَهُمَا الْوَجُومُ، وَأَصْبَحَا لَا يَعِيَانِ شَيْئًا مِمَّا حَوْلَهُمَا، وَظَنَّا نَفْسَيْهِمَا فِي مَنَامٍ لَا فِي حَقِيقَةٍ، لَوْلَا أَنَّهُمَا تَذَكَّرَا مَا وَقَعَ لَهُمَا مِنْ اخْتِطَافِ اللُّصُوصِ، ثُمَّ بَيْعِهِمْ إِيَّاهُمَا لِلنَّخَّاسِ، وَمَا زَالَا بَعْدُ فِي رَيْبٍ مِنْ أَنْ يَكُونَ التَّاجِرُ الْوَاقِفُ أَمَامَهُمَا بَعْدَ إِذْ سَلَّمَهُمَا لِلَّدَّالِ، هُوَ عَنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي أَحْسَنَ إِلَيْهِمَا مُنْذُ يَوْمِهِمَا، وَأَظْهَرَ لَهُمَا ذَلِكَ الْبِرَّ وَتِلْكَ الرِّعَايَةَ. وَتَرَقْرَقَ الدَّمْعُ فِي مَآقِيهِمَا فَكَانَا يَمْسَحَانِهِ بِطَرَفِ رِدَائِهِمَا مُسَارَقَةً، وَمَا أَمْسَكَ دَمْعَهُمَا أَنْ يَنْسَكِبَ إِلَّا حَيَاؤُهُمَا مِنْ أَنْ يَبْدُوَ عَلَيْهِمَا الضَّعْفُ بَيْنَ مَنْ حَوْلَهُمَا مِنَ النَّاسِ، أَوْ يَظْهَرُوا أَقَلَّ جَلَدًا، وَاحْتِمَالًا مِنْ زَمِيلِهِمَا الضَّاحِكِ الْعَابِثِ. وَمَرَّتْ سَاعَاتٌ طَوِيلَةٌ شَاهَدَا كَيْفَ تُعْرَضُ الْإِمَاءُ وَالْعَبِيدُ وَالْغِلْمَانُ، وَيُنَادَى عَلَيْهِمْ، وَيُقَلِّبُهُمُ الرَّاغِبُونَ فِي الشِّرَاءِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، لَا فَرْقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السِّلَعِ، فَيَنْفَقُ مَنْ يَنْفَقُ مِنْهُمْ، فَيَمْضِي لِسَبِيلِهِ مَعَ مَنْ اشْتَرَاهُ، وَيَبُورُ مَنْ يَبُورُ، فَيُعَادُ إِلَى مَكَانِهِ فِي الْحَصِيرِ كَاسِفَ الْبَالِ. حَتَّى جَاءَ دَوْرُهُمَا وَدَوْرُ صَاحِبِهِمَا فَبُدِئَ بِبَيْبَرَسَ، وَنُصِبَ عَلَى الْمَنَصَّةِ وَهُوَ يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَقَدْ جُرِّدَ مِنْ ثِيَابِهِ إِلَّا مَا يَسْتُرُ وَسَطَهُ، فَبَدَا يَابِسَ السَّاقَيْنِ، بَارِزَ الصَّدْرِ، مَفْتُولَ السَّاعِدَيْنِ، فَنَادَى الْمُنَادِي وَهُوَ يَضْرِبُ عَلَى صَدْرِهِ وَظَهْرِهِ: مَنْ لِلْفَتَى الْقَبْجَاقِي؟ يَنْفَعُ فِي الْحَمَاقِ، يَدْفَعُ عَنْ مَوْلَاهُ كَيْدَ الَّذِي عَادَاهُ، إِنْ صَحَّ ظَنِّي فِيهِ سَتَطْلُعُ الْأَيَّامُ بِمَغَامِرٍ مِقْدَامٍ، فِي سَاحَةِ النِّزَالِ، يَهْزَأُ بِالْأَهْوَالِ، بِعَزْمٍ مَنْ يُؤْوِيهِ. فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يَظْهَرُ مِنْ سِحْنَائِهِ وَزِيِّهِ أَنَّهُ تَاجِرٌ مِنْ مِصْرَ، فَاشْتَرَاهُ وَنَقَدَ الدَّلَّالَ ثَمَنَهُ مِائَةَ دِينَارٍ. وَكَانَ مَالِكُهُ النَّخَّاسُ لَا يَطْمَعُ فِي أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ دِينَارًا وَلَكِنَّ الدَّلَّالَ لَمَّا لَاحَظَ تَطَلُّعَ التَّاجِرِ الْمِصْرِيِّ إِلَيْهِ وَشِدَّةَ رَغْبَتِهِ فِيهِ، جَعَلَ يَرْفَعُ قِيمَتَهُ حَتَّى بَلَغَ بِهَا مِائَةً، فَكَانَ فَوْقَ أُجْرَةِ الدَّلَالَةِ نِصْفُ مَا زَادَ مِنْ قِيمَتِهِ عَلَى مَا حَدَّدَهُ الْمَالِكُ، أَيْ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ دِينَارًا. وَقَدْ فَرِحَ الدَّلَّالُ بِهَذِهِ الصَّفْقَةِ فَرَحًا كَبِيرًا جَعَلَهُ يُبَالِغُ فِي مُلَاطَفَةِ التَّاجِرِ الْمِصْرِيِّ وَيَقُولُ لَهُ: «خُذْهُ إِلَيْكَ... بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ، وَحَافِظْ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ الْخَبِيثِ، فَإِنَّهُ شَرِسٌ أَبَّاقٌ». وَلَمْ يَكُنْ بَيْبَرَسُ يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ إِلَّا قَلِيلًا، وَلَكِنَّهُ فَهِمَ مِنْ حَرَكَاتِ الدَّلَّالِ وَإِشَارَاتِ يَدِهِ، وَنَبَرَاتِ صَوْتِهِ، مَعْنَى الْكَلَامِ الَّذِي نَادَى بِهِ عَلَيْهِ، فَوَقَفَ حِينَ وَقَفَ عَلَى الدَّكَّةِ مُخْتَالًا بِنَفْسِهِ، مُدِلًّا بِقُوَّتِهِ، وَنَزَلَ مِنْهَا وَمَشَى إِلَى مَوْلَاهُ الْمِصْرِيِّ مَزْهُوًّا يَكَادُ يَخْرِقُ الْأَرْضَ تِيهًا، وَلَمْ يَمْضِ الْمِصْرِيُّ بَعْدَ أَنْ اشْتَرَى بَيْبَرَسَ، بَلْ عَادَ إِلَى مَكَانِهِ الْأَوَّلِ وَلَزِمَهُ، يَنْظُرُ إِلَى الصَّبِيَّيْنِ الْوَضِيئَيْنِ كَأَنَّهُ يَرْغَبُ فِي شِرَائِهِمَا أَيْضًا، أَوْ يُرِيدُ أَنْ يَرَى كَمْ يَبْلُغُ ثَمَنُهُمَا.
- الفكرة الرئيسة
- تَبَايُنُ مَوَاقِفِ الْمَمَالِيكِ بِالسُّوقِ وَبَيْعُ بَيْبَرَسَ لِلْتَّاجِرِ الْمِصْرِيِّ بِمِائَةِ دِينَارٍ.
- امْتِعَاضٍ: غَضَبٍ وَاسْتِئَاءٍ
- مَآقِيهِمَا: أَطْرَافُ الْعُيُونِ مَجَارِي الدَّمْعِ
- سِحْنَائِهِ: مَلَامِحِ وَجْهِهِ وَهَيْئَتِهِ
الفقرة 5
وَأَخَذَ الزَّحَامُ يَشْتَدُّ عَلَى حَلْقَةِ الدَّلَّالِ حِينَمَا تَهَيَّأَ لِعَرْضِهِمَا، وَكَانَ فِي الْحَاضِرِينَ رَجُلٌ دَمَشْقِيٌّ جَمِيلُ الْهَيْئَةِ، تَبْدُو عَلَيْهِ مَخَايِلُ النِّعْمَةِ وَالْيَسَارِ، قَدْ خَطَّ الشَّيْبُ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ، فَزَادَهُ وَقَارًا وَهَيْبَةً، وَقَدْ حَضَرَ إِلَى سُوقِ الرَّقِيقِ مِنَ الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ، فَظَلَّ زَمَانًا يَطُوفُ عَلَى حَلَقَاتِ السَّمَاسِرَةِ، يُجِيلُ بَصَرَهُ فِي وُجُوهِ الرَّقِيقِ، وَكُلَّمَا حَمَلَتْ عَيْنَاهُ صَبِيًّا أَوْ صَبِيَّةً، وَقَفَ عِنْدَهُ يَتَأَمَّلُهُ تَأَمُّلًا دَقِيقًا، حَتَّى وَصَلَ إِلَى حَلْقَةِ دَلَّالِنَا حَافِظٍ الْوَاسِطِيِّ، فَمَا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى قُطُزَ وَجُلَّنَارَ، حَتَّى خَفَقَ قَلْبُهُ، وَقَالَ فِي نَفْسِهِ: «هَأَنَذَا قَدْ وَجَدْتُ بُغْيَتِي»، وَوَقَفَ بَرْهَةً يَتَفَرَّسُ فِي الصَّبِيَّيْنِ، فَمَا يَزْدَادُ إِلَّا مَيْلًا إِلَيْهِمَا وَرَغْبَةً فِيهِمَا، ثُمَّ دَارَ عَلَى الْحَلَقَاتِ الْأُخْرَى كَرَّةً أُخْرَى كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَتَثَبَّتَ لِنَفْسِهِ وَيَسْتَيِقِنَ أَنْ لَيْسَ فِيهَا أَصْلَحُ لَهُ مِنْهُمَا، وَأَوْفَقُ، أَوْ إِنَّمَا شَاءَ أَنْ يَصْرِفَ الْأَنْظَارَ عَنْهُ، وَلَا سِيَّمَا نَظَرَ الدَّلَّالِ لِئَلَّا يَعْرِفَ تَعَلُّقَهُ بِهِمَا فَيُغْلِيَهُمَا عَلَيْهِ. ثُمَّ عَادَ إِلَى الْحَلْقَةِ وَاتَّخَذَ لِنَفْسِهِ مَقْعَدًا فِي جَانِبٍ مِنْهَا، بِحَيْثُ يَرَى الصَّبِيَّيْنِ، وَيَسْتَطِيعُ أَنْ يُرَاقِبَهُمَا دُونَ أَنْ يَسْتَرْعِيَ انْتِبَاهَهُمَا أَوْ انْتِبَاهَ الدَّلَّالِ. وَكَانَ الصَّبِيَّانِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ يَتَّقِيَانِ هَذِهِ النَّظَرَاتِ الْفَاحِصَةَ الَّتِي يُرْسِلُهَا الرَّجُلُ إِلَيْهِمَا، وَيَلْوِيَانِ وَجْهَيْهِمَا، وَيُطْفِئَانِ بَرِيقَ الْعُيُونِ مِنْ لَوَاعِجِ هَمِّهِمَا، لِمَا شَعَرَا بِهِ مِنَ الذُّلِّ وَالْمَهَانَةِ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ الْبَغِيضِ، وَلَكِنَّهُمَا مَا لَبِثَا إِذْ رَأَيَا الطَّيِّبَةَ النَّاطِقَةَ فِي وَجْهِهِ، وَالْحَنَانَ الْفَائِضَ مِنْ عَيْنَيْهِ، أَنْ تَبَدَّلَ شُعُورُهُمَا نَحْوَهُ، فَصَارَا يَمِيلَانِ إِلَيْهِ، وَطَفِقَا يُبَادِلَانِهِ النَّظَرَ بِحُبٍّ وَطَمَأْنِينَةٍ، أَحَسَّ بِهِمَا الرَّجُلُ فَشَاعَ السُّرُورُ فِي وَجْهِهِ، وَلَوْلَا مُرَاعَاةُ الْحَاضِرِينَ لَقَامَ إِلَيْهِمَا فَاحْتَضَنَهُمَا كَمَا يَحْتَضِنُ الْأَبُ وَلَدَيْنِ لَقِيَهُمَا بَعْدَ غِيَابٍ طَوِيلٍ، وَكَذَلِكَ كَانَ شُعُورُ الصَّبِيَّيْنِ نَحْوَهُ شَبِيهًا بِشُعُورِهِ نَحْوَهُمَا، إِذْ أَحَسَّا كَأَنَّهُ صَدِيقٌ لَهُمَا يَعْرِفُ حَقِيقَةَ حَالِهِمَا، وَسِرَّ نَكْبَتِهِمَا، قَدْ جَاءَ لِيُنْقِذَهُمَا مِمَّا هُمَا فِيهِ، وَمَا يُدْرِيهِمَا أَلَّا يَكُونَ رَسُولًا مِنْ قِبَلِ أَبِيهِمَا السُّلْطَانِ جَلَالِ الدِّينِ، قَدْ بَعَثَ فِي طَلَبِهِمَا بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنْ قِتَالِ التَّتَارِ. أَلَمْ يَقُلْ لَهُمَا ذَلِكَ الشَّيْخُ سَلَامَةُ الْهِنْدِيُّ؟ أَلَمْ يَعِدْهُمَا بِأَنَّهُ سَيُكَاتِبُ السُّلْطَانَ بِأَمْرِهِمَا مِنَ الْجَبَلِ؟! كَانَ الصَّبِيَّانِ يُجِيلَانِ هَذِهِ الْأَفْكَارَ فِي رَأْسَيْهِمَا فِي وَقْتٍ مَعًا، كَأَنَّمَا يَسْتَبِقَانِ فِي شَوْطٍ وَاحِدٍ، وَلَا بَدْعَ فِي ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا دَرَجَا مَعًا حَتَّى بَلَغَا مِنَ التَّآلُفِ وَالتَّمَازُجِ أَنْ صَارَ أَحَدُهُمَا يَعْرِفُ خَبِيئَةَ نَفْسِ الْآخَرِ، وَمَكْنُونَ صَدْرِهِ، كَأَنَّمَا يَشْعُرَانِ بِقَلْبٍ وَاحِدٍ. وَلَبِثَا يَنْتَظِرَانِ أَوَانَ عَرْضِهِمَا بِفَارِغِ الصَّبْرِ، وَهُمَا لَا يَشُكَّانِ فِي أَنَّ صَاحِبَهُمَا سَيَتَقَدَّمُ لِشِرَائِهِمَا وَلَا يُغْلِيهِمَا عِنْدَهُ ثَمَنٌ، وَتَشَوَّقَا إِلَى مَعْرِفَةِ سِرِّهِ إِذَا مَا اشْتَرَاهُمَا وَمَضَى بِهِمَا مِنْ ذَلِكَ السُّوقِ الَّذِي أَنْدَى جَبِينَهُمَا، وَلَقِيَا فِيهِ الْخِزْيَ وَالْهَوَانَ.
- الفكرة الرئيسة
- إِعْجَابُ الشَّيْخِ غَانِمٍ الْمَقْدِسِيِّ بِقُطُزَ وَجُلَّنَارَ وَالارْتِيَاحُ الْمُتَبَادَلُ بَيْنَهُمْ.
- مَخَايِلُ: عَلَامَاتٌ وَدَلَائِلُ
- الْيَسَارِ: الْغِنَى وَالسَّعَةُ
- لَوَاعِجِ: آلَامِ وَشَوْقِ الْحُزْنِ
الفقرة 6
أَمَّا الدَّلَّالُ فَإِنَّهُ مَا كَادَ يَفْرُغُ مِنْ أَمْرِ بَيْبَرَسَ حَتَّى وَجَدَ النَّاسَ يَتَطَلَّعُونَ إِلَى الصَّبِيَّيْنِ، وَمَا يَشُكُّونَ فِي أَنَّهُمَا شَقِيقَانِ لِشِدَّةِ تَقَارُبِهِمَا فِي الْمَلَامِحِ، وَاتِّفَاقِهِمَا فِي الدَّمِ فَوَقَفَ أَمَامَهُمَا لَا يَدْرِي بِأَيِّهِمَا يَبْدَأُ، وَكَانَتْ سُنَّتُهُ فِي ذَلِك أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَقَلِّ قَدْرًا؛ لِيَحْتَفِظَ بِبَقَاءِ النَّاسِ فِي حَلْقَتِهِ، مُتَطَلِّعِينَ إِلَى مَنْ يُفَضِّلُهُ مِنَ الْبَاقِينَ عِنْدَهُ، وَقَدْ حَارَ أَيَّ الصَّبِيَّيْنِ يُقَدِّمُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ أَيُّهُمَا يُفَضِّلُ أَخَاهُ، وَلَكِنَّ قُطُزَ قَطَعَ عَلَيْهِ هَذَا التَّحَيُّرَ فِي التَّخَيُّرِ. إِذْ قَامَ فَتَقَدَّمَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ، فَمَا وَسِعَ الدَّلَّالَ إِلَّا قَبُولُ عَرْضِهِ، فَأَوْقَفَهُ عَلَى الدَّكَّةِ وَوَجْهُهُ يَحْمَرُّ خَجَلًا، يَكَادُ يَنْبَجِسُ مِنْهُ الدَّمُ، وَنَادَى عَلَيْهِ وَالْعُيُونُ ثَابِتَةٌ فِيهِ: مَنْ لِلنَّجَارِ الْكَرِيمِ، مَنْ لِلْغُلَامِ الْوَسِيمِ، ذَكَاؤُهُ فَوْقَ سِنِّهِ، وَحُسْنُهُ دُونَ يُمْنِهِ، سَمَاحَةٌ وَشَجَاعَةٌ، وَعِزَّةٌ وَوَدَاعَةٌ، لَوْلَا صُرُوفُ اللَّيَالِي، مَا بِيعَ هَذَا بِمَالٍ؟ وَلَمْ يَكَدِ الدَّلَّالُ يُتِمُّ نِدَاءَهُ هَذَا حَتَّى تَسَابَقَ الرَّاغِبُونَ فِي شِرَائِهِ أَيُّهُمْ يَفُوزُ بِهِ، فَجَعَلُوا يَتَبَارَوْنَ فِي رَفْعِ قِيمَتِهِ، حَتَّى بَلَغُوا بِهَا مَائَتَيْنِ وَسَبْعِينَ، فَأَتَمَّهَا الدَّمَشْقِيُّ ثَلَاثَمِائَةٍ، فَلَمْ يَجْرُؤْ أَحَدٌ عَلَى الزِّيَادَةِ، فَسَلَّمَهُ الدَّلَّالُ إِلَيْهِ وَهَنَّأَهُ بِهِ. وَمَضَى الْغُلَامُ إِلَى مَوْلَاهُ الْجَدِيدِ فَرِحًا بِحَمْدِ اللَّهِ عَلَى أَنْ لَمْ يَظْفَرُ بِهِ سِوَاهُ وَوَقَفَ قَرِيبًا مِنْهُ، وَمَا لَبِثَ الشَّيْخُ أَنْ كَلَّمَهُ كَلَامًا لَيِّنًا تَطْيِيبًا لِخَاطِرِهِ، فَلَمْ يَفْهَمْ قُطُزُ مَا يَقُولُ، وَلَكِنَّهُ أَدْرَكَ أَنَّهُ يُلَاطِفُهُ بِذَلِكَ، فَوَدَّ لَوْ أَنَّ كَانَ يَعْرِفُ اللِّسَانَ الْعَرَبِيَّ لِيُجِيبَهُ عَلَى حَدِيثِهِ، فَاكْتَفَى بِأَنْ ابْتَسَمَ لَهُ، وَلَمْ يُمْهِلْهُمَا الدَّلَّالُ طَوِيلًا إِذْ أَخَذَ حِينَئِذٍ بِيَدِ جُلَّنَارَ، فَأَقَامَهَا عَلَى الدَّكَّةِ فَتَوَجَّهَ انْتِبَاهُهُمَا وَانْتِبَاهُ النَّاسِ إِلَيْهِمَا، وَقَدْ تَوَرَّدَ خَدَّاهَا وَأَخَذَتْ تَرْنُو إِلَى قُطُزَ وَإِلَى مَوْلَاهُ الشَّيْخِ كَأَنَّهَا تَسْتَعْطِفُهُ أَنْ يَحُوزَهَا وَلَا يَدَعَ أَحَدًا غَيْرَهُ يَفُوزُ بِهَا دُونَهُ. وَلَمْ يَخْفَ عَلَى الدَّلَّالِ تَطَلُّعُ الْحَاضِرِينَ، وَلَا سِيَّمَا الرَّجُلِ الدَّمَشْقِيِّ لِشِرَائِهَا، وَلَوْ شَاءَ لَاسْتَغْنَى بِعَرْضِهِ عَنِ الْمُنَادَاةِ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ لَمْ تَطُبْ نَفْسُهُ بِالسُّكُوتِ عَنِ الْإِشَادَةِ بِمَحَاسِنِ هَذِهِ الصَّبِيَّةِ الْبَارِعَةِ الْحُسْنِ فَجَعَلَ يَقُولُ: يَا فِلْقَةً مِنْ الْقَمَرِ، يَا قَطْرَةً مِنْ النَّدَى، تَنَفَّسَتْ وَقْتَ السَّحَرِ، يَا نَسْمَةً مِنْ الشَّذَى، حَامِلَةً فِي رُدْنِهَا، أَطْيَبَ أَنْفَاسِ الزَّهَرِ. فَتَنَافَسَ الْحَاضِرُونَ فِي شِرَائِهَا، وَلَكِنَّ الرَّجُلَ الدَّمَشْقِيَّ ظَلَّ يُزَايِدُهُمْ فِي الثَّمَنِ حَتَّى بَلَغَ ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ، وَكَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَى أَنْ يَقِفَ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ وَلَا يَزِيدَ عَلَيْهِ. وَكَادَ يَتْرُكُهَا لِمُنَافِسِهِ الَّذِي زَادَ عَلَيْهِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ لَوْلَا أَنْ نَظَرَ إِلَى قُطُزَ فَرَآهُ مُمْتَقِعَ الْجَبِينِ يَابِسَ الشَّفَتَيْنِ يَنْتَفِضُ مِنَ الْقَلَقِ، وَالدَّمْعُ فِي عَيْنَيْهِ يَسْتَعْطِفَانِهِ أَلَّا يَبْخَلَ بِالزِّيَادَةِ لِئَلَّا يُفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَفِيقَتِهِ. فَرَقَّ لَهُ، وَغَلَبَتْهُ الشَّفَقَةُ، فَزَادَ أَرْبَعِينَ دِينَارًا دَفْعَةً وَاحِدَةً؛ لِيَقْطَعَ عَلَى مُنَافِسِهِ السَّبِيلَ، فَعَرَفَ الْمُنَافِسُ أَنْ لَا فَائِدَةَ مِنَ الْمُزَايَدَةِ فَتَرَكَهَا لَهُ. وَمَا كَانَ أَشَدَّ فَرَحَ الْغُلَامِ إِذْ أَعْلَنَ الدَّلَّالُ أَنَّهَا لِمَوْلَاهُ، وَقَدَّمَهَا لَهُ فَنَقَدَهُ الشَّيْخُ ثَلَاثَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ دِينَارًا، وَمَضَى بِهِمَا وَهُمَا لَا يَكَادَانِ يُصَدِّقَانِ مِنَ الْفَرَحِ أَنَّهُمَا قَدْ نَجَوَا مِنْ خَطَرِ الِافْتِرَاقِ.
- الفكرة الرئيسة
- شِرَاءُ الشَّيْخِ غَانِمٍ لِقُطُزَ وَجُلَّنَارَ بِمَجْمُوعِ ٦٥٠ دِينَارًا وَإِنْقَاذُهُمَا مِنَ الِافْتِرَاقِ.
- يَنْبَجِسُ: يَنْفَجِرُ وَيَنْبَعُ
- مُمْتَقِعَ: مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ مِنَ الْخَوْفِ وَالْقَلَقِ
- الشَّذَى: قُوَّةُ الرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ
شبكة الأفكار
إقامة قطز وجلنار بحلب وبيعهما للشيخ غانم المقدسي
- الإقامة بحلب وصداقة بيبرس: حسن معاملة التاجر لقطز وجلنار وتسليتهما بالقصص الفارسية.، عطف قطز على بيبرس ومشاركته الطعام ونشأة الصداقة بينهما.
- سوق حلب وبيع بيبرس: إقامة سوق حلب يوم الأربعاء وتقسيمه إلى أسواق متنوعة.، بيع المملوك بيبرس للتاجر المصري بمائة دينار.
- إعجاب الشيخ غانم المقدسي بالطفلين: حضور الشيخ غانم المقدسي من دمشق وشعوره بالحنان نحو قطز وجلنار.، اطمئنان الصبيين للشيخ غانم وأملهما في نجاتهما معه.
- شراء قطز وجلنار وإنقاذهما: شراء الشيخ غانم لقطز بثلاثمائة دينار.، استعطاف قطز وجلنار للشيخ غانم فشراء جلنار بثلاثمائة وخمسين دينارًا لمنع تفريقهما.
القيم والدروس المستفادة
- العطف والرفق بالآخرين في أوقات الشدة والمحن.
- الرحمة والإحسان وعدم التفريق بين الأحبة والرفقاء.
- الرضا بقضاء الله والتمسك بالصبر والأمل في الفرج.
الملخص في خمس جمل
- وصل تاجر الرقيق بالصبيين قطز وجلنار إلى حلب وأحسن معاملتهما وتأنيسهما بالقصص الفارسية.
- نشأت صداقة متينة بين قطز والمملوك بيبرس بفضل عطف قطز وإحسانه إليه بالسِّر.
- عُرِضَ الصبيان في سوق حلب يوم الأربعاء فَبِيعَ بيبرس لتاجر مصري بمائة دينار.
- أُعْجِبَ الشيخ غانم المقدسي القادم من دمشق بقطز وجلنار واطمأن الصبيان إلى عطفه وحنانه.
- اشترى الشيخ غانم قطز وجلنار معًا بستمائة وخمسين دينارًا وأنقذهما من خطر الفراق الأليم.
بنك الأسئلة — الفقرة 1
أَمَّا قُطُزُ وَجُلَّنَارُ، فَقَدْ وَصَلَ بِهِمَا التَّاجِرُ إِلَى حَلَبَ، فَأَنْزَلَهُمَا مَعًا فِي بَيْتِ بَعْضِ مَعَارِفِهِ، وَلَمْ يُكَلِّفْهُمَا أَيَّ عَمَلٍ يَقُومَانِ بِهِ، وَلَمْ يَحْبِسْهُمَا فِي الْمَنْزِلِ بَلْ أَرَاحَهُمَا، وَكَسَاهُمَا ثِيَابًا حَسَنَةً، وَتَرَكَهُمَا يَجِيئَانِ وَيَذْهَبَانِ كَمَا شَاءَا فِي سَاحَةِ الْحَيِّ، وَكَانَ لَطِيفًا مَعَهُمَا طَوَالَ الطَّرِيقِ، يُقَدِّمُ لَهُمَا الطَّعَامَ، وَيُسَاعِدُهُمَا فِي الرُّكُوبِ وَالنُّزُولِ، وَيُجَاذِبُهُمَا أَطْرَافَ الْحَدِيثِ وَيُدَاعِبُهُمَا، وَيُسَلِّيهِمَا بِالْقِصَصِ وَالنَّوَادِرِ بِاللُّغَةِ الْفَارِسِيَّةِ الَّتِي كَانَ يُجِيدُهَا إِجَادَةً حَسَنَةً، حَتَّى مَالَ الصَّبِيَّانِ إِلَيْهِ، وَخَفَّ عَنْهُمَا مَا كَانَا يَجِدَانِ مِنَ الْوَحْشَةِ وَالْقَلَقِ، وَنَظَرَا إِلَيْهِ كَأَنَّهُ صَدِيقٌ لَهُمَا، لَا مَالِكٌ اشْتَرَاهُمَا بِالْمَالِ. وَكَانَ لِلتَّاجِرِ مَمْلُوكٌ ثَالِثٌ فِي سِنِّهِمَا، يُدْعَى بَيْبَرَسَ، قَدْ أَحْضَرَهُ إِلَيْهِ أَحَدُ وُكَلَائِهِ، فَضَمَّهُ إِلَيْهِمَا وَلَكِنَّهُ كَانَ يُعَامِلُهُ مُعَامَلَةً قَاسِيَةً، وَيَضْرِبُهُ وَيَحْبِسُهُ فِي الْمَنْزِلِ لَا يَبْرَحُهُ مِثْلَهُمَا، فَعَجِبَا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ مِنْ خُلُقِ الرَّجُلِ كَيْفَ يَرْفُقُ بِهِمَا ذَلِكَ الرِّفْقَ، ثُمَّ يَقْسُو هَذِهِ الْقَسْوَةَ عَلَى الْغُلَامِ؟ وَلَكِنْ سَرَعَانَ مَا زَالَ عَجَبُهُمَا حِينَ عَرَفَا بَيْبَرَسَ وَتَمَرُّدَهُ عَلَى مَوْلَاهُ، وَسُوءَ خُلُقِهِ مَعَهُ، وَمَيْلَهُ دَائِمًا لِلْإِبَاقِ مِنْهُ، فَأَدْرَكَا حِينَئِذٍ أَنَّ مَوْلَاهُمَا حَكِيمٌ فِي سِيَاسَتِهِ، يُعَامِلُ كُلًّا بِمَا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الشِّدَّةِ وَاللِّينِ. عَلَى أَنَّهُمَا مَعَ ذَلِكَ لَمْ يَخْلُوَا مِنَ الرِّقَّةِ لِهَذَا الْغُلَامِ الْقَبْجَاقِيِّ الْأَشْقَرِ، ذِي الْعُيُونِ الزُّرْقِ الَّتِي تَنُمُّ عَنِ الْحِيلَةِ وَالْمَكْرِ، فَكَانَ قُطُزُ يُحْسِنُ إِلَيْهِ عَلَى غَيْرِ عِلْمِ هَؤُلَاءِ، وَيَقْتَطِعُ لَهُ شَيْئًا مِنْ إِدَامِهِ وَحَلْوَاهُ فَيُقَدِّمُهُ لَهُ فَيَلْتَهِمُهُ الصَّبِيُّ الْتِهَامًا، فَنَشَأَتْ مِنْ جَرَّاءِ ذَلِكَ صَدَاقَةٌ مَتِينَةٌ بَيْنَهُمَا، أَمَّا جُلَّنَارُ فَكَانَتْ مَعَ شَفَقَتِهَا عَلَيْهِ تَشْعُرُ بِنُفُورٍ شَدِيدٍ مِنْهُ، وَتَتَّقِي نَظَرَاتِهِ الْحَادَّةَ كَأَنَّهَا سِهَامٌ مَاضِيَةٌ لَا تَقْوَى عَلَى احْتِمَالِهَا عَيْنَاهَا الْوَدِيعَتَانِ.
بنك الأسئلة — الفقرة 2
وَمَا هِيَ إِلَّا أَيَّامٌ قَلَائِلُ حَتَّى حَلَّ مَوْعِدُ السُّوقِ بِحَلَبَ، وَكَانَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ مِنْ كُلِّ أُسْبُوعٍ، فَتَقَاطَرَ إِلَيْهِ النَّاسُ مِنْ سَائِرِ مُدُنِ الشَّامِ وَقُرَاهُ؛ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَبِيعُوا وَيَبْتَاعُوا، وَكَانَ يُقَامُ فِي رَحْبَةٍ وَاسِعَةٍ فِي طَرَفٍ مِنْ أَطْرَافِ الْمَدِينَةِ تُنْصَبُ فِيهَا الْخِيَامُ، وَتُضْرَبُ فِيهَا السُّرَادِقَاتُ الْعَظِيمَةُ وَتُقَسَّمُ أَقْسَامًا: فَقِسْمٌ لِلْحُبُوبِ وَالْغِلَالِ، وَقِسْمٌ لِلْأَقْمِشَةِ وَالْمَلَابِسِ مِنَ الصُّوفِ وَالْقُطْنِ وَالْكِتَّانِ وَالْحَرِيرِ، وَقِسْمٌ لِلْآنِيَةِ وَالسُّرُجِ وَسَائِرِ أَدَوَاتِ الْمَنْزِلِ، وَقِسْمٌ لِلْأَدْوِيَةِ وَالْعُطُورِ، وَالْأَدْهِنَةِ وَالْمُقَوِّيَاتِ، وَقِسْمٌ لِلْخُيُولِ وَالْمَوَاشِي، وَقِسْمٌ لِلْجَوَارِي وَالْعَبِيدِ، وَقِسْمٌ لِمَا هُنَالِكَ، وَكَانَ كُلُّ قِسْمٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ يُسَمَّى سُوقًا، فَسُوقُ الْغِلَالِ، وَسُوقُ الْبَزِّ، وَسُوقُ الرَّقِيقِ، وَسُوقُ الْخَيْلِ، وَهَلُمَّ جَرًّا.
بنك الأسئلة — الفقرة 3
وَلَمَّا أَصْبَحَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ أَمَرَ التَّاجِرُ مَوَالِيَهُ الثَّلَاثَةَ فَاغْتَسَلُوا وَكَسَاهُمْ، وَأَصْلَحَ شُعُورَهُمْ وَطَيَّبَهُمْ، ثُمَّ مَضَى بِهِمْ إِلَى السُّوقِ الْكَبِيرِ، أَمَّا بَيْبَرَسُ فَقَدْ أَمْسَكَ التَّاجِرُ بِيَدِهِ يَجُرُّهُ جَرًّا وَهُوَ يَسُبُّهُ وَيَلْعَنُهُ، وَأَمَّا قُطُزُ وَجُلَّنَارُ فَقَدْ أَطْلَقَهُمَا، فَسَارَا فَرِحَيْنِ مَا يَظُنَّانِ إِلَّا أَنَّهُمَا ذَاهِبَانِ لِشُهُودِ هَذَا الْمَوْسِمِ الْعَظِيمِ، وَالتَّفَرُّجِ عَلَى مَا فِيهِ، حَتَّى بَلَغَ بِهِمْ سُوقَ الرَّقِيقِ فَإِذَا سُرَادِقَاتٌ عَظِيمَةٌ مَمْلُوءَةٌ بِالْجَوَارِي وَالْغِلْمَانِ مِنْ بِيضٍ وَسُودٍ وَأَلْوَانٍ بَيْنَ ذَلِكَ شَتَّى، وَقَدْ جَلَسُوا عَلَى الْحُصُرِ جَمَاعَاتٍ مُتَفَرِّقَةً، وَقَامَ عَلَى كُلِّ جَمَاعَةٍ مِنْهُمُ الدَّلَّالُ الَّذِي عُهِدَ إِلَيْهِ بِبَيْعِهِمَا، فَيَأْخُذُ الدَّلَّالُ أَحَدَهُمْ وَيُوقِفُهُ عَلَى دَكَّةٍ مَنْصُوبَةٍ أَمَامَهُ، وَيُنَادِي عَلَيْهِ بَيْنَ الَّذِينَ حَضَرُوا لِلِابْتِيَاعِ بِكَلِمَاتٍ مَسْجُوعَةٍ أَوْ مَنْظُومَةٍ فِي الْإِشَادَةِ بِمَحَاسِنِ الْمَعْرُوضِ لِلتَّرْغِيبِ فِي شِرَائِهِ. وَهَؤُلَاءِ السَّمَاسِرَةُ يَفْتَنُونِ فِي ذَلِكَ افْتِنَانًا عَجِيبًا، وَيَسْتَعِينُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِالشُّعَرَاءِ؛ لِيَنْظِمُوا لَهُمْ مَقْطُوعَاتٍ فِي أَوْصَافِ الْجَوَارِي وَالْغِلْمَانِ وَنُعُوتِهِمُ الْمُخْتَلِفَةِ، فَيُنَادُونَ بِهَا عَلَى مَنْ يَعْرِضُونَ مِنَ الرَّقِيقِ بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ الْمَقَامُ. وَمَا أَنْ سَلَّمَ النَّخَّاسُ مَوَالِيَهُ الثَّلَاثَةَ إِلَى أَحَدِ الدَّلَّالِينَ حَتَّى جَعَلَ يُقَلِّبُهُمْ، وَيُصْعِدُ النَّظَرَ فِيهِمْ، كَأَنَّهُ يَخْتَبِرُ نُعُوتَهُمْ، وَيَتَبَيَّنُ سِمَاتِهِمْ، ثُمَّ كَتَبَ أَسْمَاءَهُمْ فِي دَفْتَرِهِ، وَتَحْتَ كُلِّ اسْمٍ مِنْهَا صِفَتُهُ وَسِنُّهُ وَأَصْلُهُ، وَأَقَلُّ قِيمَةٍ يَطْلُبُهَا صَاحِبُهُ فِيهِ ثُمَّ دَفَعَهُمْ إِلَى الْحَصِيرِ، فَقَعَدُوا عَلَيْهِ بَيْنَ غَيْرِهِمْ مِنَ الرَّقِيقِ الَّذِي عِنْدَهُ.
بنك الأسئلة — الفقرة 4
أَمَّا بَيْبَرَسُ فَقَعَدَ مُطْمَئِنًّا لَا أَثَرَ عَلَيْهِ مِنْ امْتِعَاضٍ أَوْ اكْتِئَابٍ، وَجَعَلَ يُجِيلُ نَظَرَاتِهِ الْحَادَّةَ فِيمَنْ حَوْلَهُ مِنَ النَّاسِ، فَإِذَا رَأَى عَبْدًا أَسْوَدَ، أَوْ جَارِيَةً شَوْهَاءَ أَوْ غُلَامًا قَبِيحَ الْخِلْقَةِ، ضَحِكَ عَلَيْهِ، وَأَشَارَ لِقُطُزَ إِلَيْهِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِالدَّلَّالِ الَّذِي كَانَ يَحُدُّهُ بِالنَّظَرِ، مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَيُقَطِّبُ لَهُ لِيَرْدَعَهُ بِذَلِكَ عَنْ عَمَلِهِ، فَمَا يُجِيبُهُ بَيْبَرَسُ بِغَيْرِ إِخْرَاجِ لِسَانِهِ، وَتَحْرِيكِ حَاجِبَيْهِ. وَأَمَّا قُطُزُ وَجُلَّنَارُ فَقَدْ غَلَبَهُمَا الْوَجُومُ، وَأَصْبَحَا لَا يَعِيَانِ شَيْئًا مِمَّا حَوْلَهُمَا، وَظَنَّا نَفْسَيْهِمَا فِي مَنَامٍ لَا فِي حَقِيقَةٍ، لَوْلَا أَنَّهُمَا تَذَكَّرَا مَا وَقَعَ لَهُمَا مِنْ اخْتِطَافِ اللُّصُوصِ، ثُمَّ بَيْعِهِمْ إِيَّاهُمَا لِلنَّخَّاسِ، وَمَا زَالَا بَعْدُ فِي رَيْبٍ مِنْ أَنْ يَكُونَ التَّاجِرُ الْوَاقِفُ أَمَامَهُمَا بَعْدَ إِذْ سَلَّمَهُمَا لِلَّدَّالِ، هُوَ عَنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي أَحْسَنَ إِلَيْهِمَا مُنْذُ يَوْمِهِمَا، وَأَظْهَرَ لَهُمَا ذَلِكَ الْبِرَّ وَتِلْكَ الرِّعَايَةَ. وَتَرَقْرَقَ الدَّمْعُ فِي مَآقِيهِمَا فَكَانَا يَمْسَحَانِهِ بِطَرَفِ رِدَائِهِمَا مُسَارَقَةً، وَمَا أَمْسَكَ دَمْعَهُمَا أَنْ يَنْسَكِبَ إِلَّا حَيَاؤُهُمَا مِنْ أَنْ يَبْدُوَ عَلَيْهِمَا الضَّعْفُ بَيْنَ مَنْ حَوْلَهُمَا مِنَ النَّاسِ، أَوْ يَظْهَرُوا أَقَلَّ جَلَدًا، وَاحْتِمَالًا مِنْ زَمِيلِهِمَا الضَّاحِكِ الْعَابِثِ. وَمَرَّتْ سَاعَاتٌ طَوِيلَةٌ شَاهَدَا كَيْفَ تُعْرَضُ الْإِمَاءُ وَالْعَبِيدُ وَالْغِلْمَانُ، وَيُنَادَى عَلَيْهِمْ، وَيُقَلِّبُهُمُ الرَّاغِبُونَ فِي الشِّرَاءِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، لَا فَرْقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السِّلَعِ، فَيَنْفَقُ مَنْ يَنْفَقُ مِنْهُمْ، فَيَمْضِي لِسَبِيلِهِ مَعَ مَنْ اشْتَرَاهُ، وَيَبُورُ مَنْ يَبُورُ، فَيُعَادُ إِلَى مَكَانِهِ فِي الْحَصِيرِ كَاسِفَ الْبَالِ. حَتَّى جَاءَ دَوْرُهُمَا وَدَوْرُ صَاحِبِهِمَا فَبُدِئَ بِبَيْبَرَسَ، وَنُصِبَ عَلَى الْمَنَصَّةِ وَهُوَ يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَقَدْ جُرِّدَ مِنْ ثِيَابِهِ إِلَّا مَا يَسْتُرُ وَسَطَهُ، فَبَدَا يَابِسَ السَّاقَيْنِ، بَارِزَ الصَّدْرِ، مَفْتُولَ السَّاعِدَيْنِ، فَنَادَى الْمُنَادِي وَهُوَ يَضْرِبُ عَلَى صَدْرِهِ وَظَهْرِهِ: مَنْ لِلْفَتَى الْقَبْجَاقِي؟ يَنْفَعُ فِي الْحَمَاقِ، يَدْفَعُ عَنْ مَوْلَاهُ كَيْدَ الَّذِي عَادَاهُ، إِنْ صَحَّ ظَنِّي فِيهِ سَتَطْلُعُ الْأَيَّامُ بِمَغَامِرٍ مِقْدَامٍ، فِي سَاحَةِ النِّزَالِ، يَهْزَأُ بِالْأَهْوَالِ، بِعَزْمٍ مَنْ يُؤْوِيهِ. فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يَظْهَرُ مِنْ سِحْنَائِهِ وَزِيِّهِ أَنَّهُ تَاجِرٌ مِنْ مِصْرَ، فَاشْتَرَاهُ وَنَقَدَ الدَّلَّالَ ثَمَنَهُ مِائَةَ دِينَارٍ. وَكَانَ مَالِكُهُ النَّخَّاسُ لَا يَطْمَعُ فِي أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ دِينَارًا وَلَكِنَّ الدَّلَّالَ لَمَّا لَاحَظَ تَطَلُّعَ التَّاجِرِ الْمِصْرِيِّ إِلَيْهِ وَشِدَّةَ رَغْبَتِهِ فِيهِ، جَعَلَ يَرْفَعُ قِيمَتَهُ حَتَّى بَلَغَ بِهَا مِائَةً، فَكَانَ فَوْقَ أُجْرَةِ الدَّلَالَةِ نِصْفُ مَا زَادَ مِنْ قِيمَتِهِ عَلَى مَا حَدَّدَهُ الْمَالِكُ، أَيْ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ دِينَارًا. وَقَدْ فَرِحَ الدَّلَّالُ بِهَذِهِ الصَّفْقَةِ فَرَحًا كَبِيرًا جَعَلَهُ يُبَالِغُ فِي مُلَاطَفَةِ التَّاجِرِ الْمِصْرِيِّ وَيَقُولُ لَهُ: «خُذْهُ إِلَيْكَ... بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ، وَحَافِظْ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ الْخَبِيثِ، فَإِنَّهُ شَرِسٌ أَبَّاقٌ». وَلَمْ يَكُنْ بَيْبَرَسُ يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ إِلَّا قَلِيلًا، وَلَكِنَّهُ فَهِمَ مِنْ حَرَكَاتِ الدَّلَّالِ وَإِشَارَاتِ يَدِهِ، وَنَبَرَاتِ صَوْتِهِ، مَعْنَى الْكَلَامِ الَّذِي نَادَى بِهِ عَلَيْهِ، فَوَقَفَ حِينَ وَقَفَ عَلَى الدَّكَّةِ مُخْتَالًا بِنَفْسِهِ، مُدِلًّا بِقُوَّتِهِ، وَنَزَلَ مِنْهَا وَمَشَى إِلَى مَوْلَاهُ الْمِصْرِيِّ مَزْهُوًّا يَكَادُ يَخْرِقُ الْأَرْضَ تِيهًا، وَلَمْ يَمْضِ الْمِصْرِيُّ بَعْدَ أَنْ اشْتَرَى بَيْبَرَسَ، بَلْ عَادَ إِلَى مَكَانِهِ الْأَوَّلِ وَلَزِمَهُ، يَنْظُرُ إِلَى الصَّبِيَّيْنِ الْوَضِيئَيْنِ كَأَنَّهُ يَرْغَبُ فِي شِرَائِهِمَا أَيْضًا، أَوْ يُرِيدُ أَنْ يَرَى كَمْ يَبْلُغُ ثَمَنُهُمَا.
بنك الأسئلة — الفقرة 5
وَأَخَذَ الزَّحَامُ يَشْتَدُّ عَلَى حَلْقَةِ الدَّلَّالِ حِينَمَا تَهَيَّأَ لِعَرْضِهِمَا، وَكَانَ فِي الْحَاضِرِينَ رَجُلٌ دَمَشْقِيٌّ جَمِيلُ الْهَيْئَةِ، تَبْدُو عَلَيْهِ مَخَايِلُ النِّعْمَةِ وَالْيَسَارِ، قَدْ خَطَّ الشَّيْبُ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ، فَزَادَهُ وَقَارًا وَهَيْبَةً، وَقَدْ حَضَرَ إِلَى سُوقِ الرَّقِيقِ مِنَ الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ، فَظَلَّ زَمَانًا يَطُوفُ عَلَى حَلَقَاتِ السَّمَاسِرَةِ، يُجِيلُ بَصَرَهُ فِي وُجُوهِ الرَّقِيقِ، وَكُلَّمَا حَمَلَتْ عَيْنَاهُ صَبِيًّا أَوْ صَبِيَّةً، وَقَفَ عِنْدَهُ يَتَأَمَّلُهُ تَأَمُّلًا دَقِيقًا، حَتَّى وَصَلَ إِلَى حَلْقَةِ دَلَّالِنَا حَافِظٍ الْوَاسِطِيِّ، فَمَا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى قُطُزَ وَجُلَّنَارَ، حَتَّى خَفَقَ قَلْبُهُ، وَقَالَ فِي نَفْسِهِ: «هَأَنَذَا قَدْ وَجَدْتُ بُغْيَتِي»، وَوَقَفَ بَرْهَةً يَتَفَرَّسُ فِي الصَّبِيَّيْنِ، فَمَا يَزْدَادُ إِلَّا مَيْلًا إِلَيْهِمَا وَرَغْبَةً فِيهِمَا، ثُمَّ دَارَ عَلَى الْحَلَقَاتِ الْأُخْرَى كَرَّةً أُخْرَى كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَتَثَبَّتَ لِنَفْسِهِ وَيَسْتَيِقِنَ أَنْ لَيْسَ فِيهَا أَصْلَحُ لَهُ مِنْهُمَا، وَأَوْفَقُ، أَوْ إِنَّمَا شَاءَ أَنْ يَصْرِفَ الْأَنْظَارَ عَنْهُ، وَلَا سِيَّمَا نَظَرَ الدَّلَّالِ لِئَلَّا يَعْرِفَ تَعَلُّقَهُ بِهِمَا فَيُغْلِيَهُمَا عَلَيْهِ. ثُمَّ عَادَ إِلَى الْحَلْقَةِ وَاتَّخَذَ لِنَفْسِهِ مَقْعَدًا فِي جَانِبٍ مِنْهَا، بِحَيْثُ يَرَى الصَّبِيَّيْنِ، وَيَسْتَطِيعُ أَنْ يُرَاقِبَهُمَا دُونَ أَنْ يَسْتَرْعِيَ انْتِبَاهَهُمَا أَوْ انْتِبَاهَ الدَّلَّالِ. وَكَانَ الصَّبِيَّانِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ يَتَّقِيَانِ هَذِهِ النَّظَرَاتِ الْفَاحِصَةَ الَّتِي يُرْسِلُهَا الرَّجُلُ إِلَيْهِمَا، وَيَلْوِيَانِ وَجْهَيْهِمَا، وَيُطْفِئَانِ بَرِيقَ الْعُيُونِ مِنْ لَوَاعِجِ هَمِّهِمَا، لِمَا شَعَرَا بِهِ مِنَ الذُّلِّ وَالْمَهَانَةِ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ الْبَغِيضِ، وَلَكِنَّهُمَا مَا لَبِثَا إِذْ رَأَيَا الطَّيِّبَةَ النَّاطِقَةَ فِي وَجْهِهِ، وَالْحَنَانَ الْفَائِضَ مِنْ عَيْنَيْهِ، أَنْ تَبَدَّلَ شُعُورُهُمَا نَحْوَهُ، فَصَارَا يَمِيلَانِ إِلَيْهِ، وَطَفِقَا يُبَادِلَانِهِ النَّظَرَ بِحُبٍّ وَطَمَأْنِينَةٍ، أَحَسَّ بِهِمَا الرَّجُلُ فَشَاعَ السُّرُورُ فِي وَجْهِهِ، وَلَوْلَا مُرَاعَاةُ الْحَاضِرِينَ لَقَامَ إِلَيْهِمَا فَاحْتَضَنَهُمَا كَمَا يَحْتَضِنُ الْأَبُ وَلَدَيْنِ لَقِيَهُمَا بَعْدَ غِيَابٍ طَوِيلٍ، وَكَذَلِكَ كَانَ شُعُورُ الصَّبِيَّيْنِ نَحْوَهُ شَبِيهًا بِشُعُورِهِ نَحْوَهُمَا، إِذْ أَحَسَّا كَأَنَّهُ صَدِيقٌ لَهُمَا يَعْرِفُ حَقِيقَةَ حَالِهِمَا، وَسِرَّ نَكْبَتِهِمَا، قَدْ جَاءَ لِيُنْقِذَهُمَا مِمَّا هُمَا فِيهِ، وَمَا يُدْرِيهِمَا أَلَّا يَكُونَ رَسُولًا مِنْ قِبَلِ أَبِيهِمَا السُّلْطَانِ جَلَالِ الدِّينِ، قَدْ بَعَثَ فِي طَلَبِهِمَا بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنْ قِتَالِ التَّتَارِ. أَلَمْ يَقُلْ لَهُمَا ذَلِكَ الشَّيْخُ سَلَامَةُ الْهِنْدِيُّ؟ أَلَمْ يَعِدْهُمَا بِأَنَّهُ سَيُكَاتِبُ السُّلْطَانَ بِأَمْرِهِمَا مِنَ الْجَبَلِ؟! كَانَ الصَّبِيَّانِ يُجِيلَانِ هَذِهِ الْأَفْكَارَ فِي رَأْسَيْهِمَا فِي وَقْتٍ مَعًا، كَأَنَّمَا يَسْتَبِقَانِ فِي شَوْطٍ وَاحِدٍ، وَلَا بَدْعَ فِي ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا دَرَجَا مَعًا حَتَّى بَلَغَا مِنَ التَّآلُفِ وَالتَّمَازُجِ أَنْ صَارَ أَحَدُهُمَا يَعْرِفُ خَبِيئَةَ نَفْسِ الْآخَرِ، وَمَكْنُونَ صَدْرِهِ، كَأَنَّمَا يَشْعُرَانِ بِقَلْبٍ وَاحِدٍ. وَلَبِثَا يَنْتَظِرَانِ أَوَانَ عَرْضِهِمَا بِفَارِغِ الصَّبْرِ، وَهُمَا لَا يَشُكَّانِ فِي أَنَّ صَاحِبَهُمَا سَيَتَقَدَّمُ لِشِرَائِهِمَا وَلَا يُغْلِيهِمَا عِنْدَهُ ثَمَنٌ، وَتَشَوَّقَا إِلَى مَعْرِفَةِ سِرِّهِ إِذَا مَا اشْتَرَاهُمَا وَمَضَى بِهِمَا مِنْ ذَلِكَ السُّوقِ الَّذِي أَنْدَى جَبِينَهُمَا، وَلَقِيَا فِيهِ الْخِزْيَ وَالْهَوَانَ.
بنك الأسئلة — الفقرة 6
أَمَّا الدَّلَّالُ فَإِنَّهُ مَا كَادَ يَفْرُغُ مِنْ أَمْرِ بَيْبَرَسَ حَتَّى وَجَدَ النَّاسَ يَتَطَلَّعُونَ إِلَى الصَّبِيَّيْنِ، وَمَا يَشُكُّونَ فِي أَنَّهُمَا شَقِيقَانِ لِشِدَّةِ تَقَارُبِهِمَا فِي الْمَلَامِحِ، وَاتِّفَاقِهِمَا فِي الدَّمِ فَوَقَفَ أَمَامَهُمَا لَا يَدْرِي بِأَيِّهِمَا يَبْدَأُ، وَكَانَتْ سُنَّتُهُ فِي ذَلِك أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَقَلِّ قَدْرًا؛ لِيَحْتَفِظَ بِبَقَاءِ النَّاسِ فِي حَلْقَتِهِ، مُتَطَلِّعِينَ إِلَى مَنْ يُفَضِّلُهُ مِنَ الْبَاقِينَ عِنْدَهُ، وَقَدْ حَارَ أَيَّ الصَّبِيَّيْنِ يُقَدِّمُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ أَيُّهُمَا يُفَضِّلُ أَخَاهُ، وَلَكِنَّ قُطُزَ قَطَعَ عَلَيْهِ هَذَا التَّحَيُّرَ فِي التَّخَيُّرِ. إِذْ قَامَ فَتَقَدَّمَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ، فَمَا وَسِعَ الدَّلَّالَ إِلَّا قَبُولُ عَرْضِهِ، فَأَوْقَفَهُ عَلَى الدَّكَّةِ وَوَجْهُهُ يَحْمَرُّ خَجَلًا، يَكَادُ يَنْبَجِسُ مِنْهُ الدَّمُ، وَنَادَى عَلَيْهِ وَالْعُيُونُ ثَابِتَةٌ فِيهِ: مَنْ لِلنَّجَارِ الْكَرِيمِ، مَنْ لِلْغُلَامِ الْوَسِيمِ، ذَكَاؤُهُ فَوْقَ سِنِّهِ، وَحُسْنُهُ دُونَ يُمْنِهِ، سَمَاحَةٌ وَشَجَاعَةٌ، وَعِزَّةٌ وَوَدَاعَةٌ، لَوْلَا صُرُوفُ اللَّيَالِي، مَا بِيعَ هَذَا بِمَالٍ؟ وَلَمْ يَكَدِ الدَّلَّالُ يُتِمُّ نِدَاءَهُ هَذَا حَتَّى تَسَابَقَ الرَّاغِبُونَ فِي شِرَائِهِ أَيُّهُمْ يَفُوزُ بِهِ، فَجَعَلُوا يَتَبَارَوْنَ فِي رَفْعِ قِيمَتِهِ، حَتَّى بَلَغُوا بِهَا مَائَتَيْنِ وَسَبْعِينَ، فَأَتَمَّهَا الدَّمَشْقِيُّ ثَلَاثَمِائَةٍ، فَلَمْ يَجْرُؤْ أَحَدٌ عَلَى الزِّيَادَةِ، فَسَلَّمَهُ الدَّلَّالُ إِلَيْهِ وَهَنَّأَهُ بِهِ. وَمَضَى الْغُلَامُ إِلَى مَوْلَاهُ الْجَدِيدِ فَرِحًا بِحَمْدِ اللَّهِ عَلَى أَنْ لَمْ يَظْفَرُ بِهِ سِوَاهُ وَوَقَفَ قَرِيبًا مِنْهُ، وَمَا لَبِثَ الشَّيْخُ أَنْ كَلَّمَهُ كَلَامًا لَيِّنًا تَطْيِيبًا لِخَاطِرِهِ، فَلَمْ يَفْهَمْ قُطُزُ مَا يَقُولُ، وَلَكِنَّهُ أَدْرَكَ أَنَّهُ يُلَاطِفُهُ بِذَلِكَ، فَوَدَّ لَوْ أَنَّ كَانَ يَعْرِفُ اللِّسَانَ الْعَرَبِيَّ لِيُجِيبَهُ عَلَى حَدِيثِهِ، فَاكْتَفَى بِأَنْ ابْتَسَمَ لَهُ، وَلَمْ يُمْهِلْهُمَا الدَّلَّالُ طَوِيلًا إِذْ أَخَذَ حِينَئِذٍ بِيَدِ جُلَّنَارَ، فَأَقَامَهَا عَلَى الدَّكَّةِ فَتَوَجَّهَ انْتِبَاهُهُمَا وَانْتِبَاهُ النَّاسِ إِلَيْهِمَا، وَقَدْ تَوَرَّدَ خَدَّاهَا وَأَخَذَتْ تَرْنُو إِلَى قُطُزَ وَإِلَى مَوْلَاهُ الشَّيْخِ كَأَنَّهَا تَسْتَعْطِفُهُ أَنْ يَحُوزَهَا وَلَا يَدَعَ أَحَدًا غَيْرَهُ يَفُوزُ بِهَا دُونَهُ. وَلَمْ يَخْفَ عَلَى الدَّلَّالِ تَطَلُّعُ الْحَاضِرِينَ، وَلَا سِيَّمَا الرَّجُلِ الدَّمَشْقِيِّ لِشِرَائِهَا، وَلَوْ شَاءَ لَاسْتَغْنَى بِعَرْضِهِ عَنِ الْمُنَادَاةِ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ لَمْ تَطُبْ نَفْسُهُ بِالسُّكُوتِ عَنِ الْإِشَادَةِ بِمَحَاسِنِ هَذِهِ الصَّبِيَّةِ الْبَارِعَةِ الْحُسْنِ فَجَعَلَ يَقُولُ: يَا فِلْقَةً مِنْ الْقَمَرِ، يَا قَطْرَةً مِنْ النَّدَى، تَنَفَّسَتْ وَقْتَ السَّحَرِ، يَا نَسْمَةً مِنْ الشَّذَى، حَامِلَةً فِي رُدْنِهَا، أَطْيَبَ أَنْفَاسِ الزَّهَرِ. فَتَنَافَسَ الْحَاضِرُونَ فِي شِرَائِهَا، وَلَكِنَّ الرَّجُلَ الدَّمَشْقِيَّ ظَلَّ يُزَايِدُهُمْ فِي الثَّمَنِ حَتَّى بَلَغَ ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ، وَكَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَى أَنْ يَقِفَ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ وَلَا يَزِيدَ عَلَيْهِ. وَكَادَ يَتْرُكُهَا لِمُنَافِسِهِ الَّذِي زَادَ عَلَيْهِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ لَوْلَا أَنْ نَظَرَ إِلَى قُطُزَ فَرَآهُ مُمْتَقِعَ الْجَبِينِ يَابِسَ الشَّفَتَيْنِ يَنْتَفِضُ مِنَ الْقَلَقِ، وَالدَّمْعُ فِي عَيْنَيْهِ يَسْتَعْطِفَانِهِ أَلَّا يَبْخَلَ بِالزِّيَادَةِ لِئَلَّا يُفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَفِيقَتِهِ. فَرَقَّ لَهُ، وَغَلَبَتْهُ الشَّفَقَةُ، فَزَادَ أَرْبَعِينَ دِينَارًا دَفْعَةً وَاحِدَةً؛ لِيَقْطَعَ عَلَى مُنَافِسِهِ السَّبِيلَ، فَعَرَفَ الْمُنَافِسُ أَنْ لَا فَائِدَةَ مِنَ الْمُزَايَدَةِ فَتَرَكَهَا لَهُ. وَمَا كَانَ أَشَدَّ فَرَحَ الْغُلَامِ إِذْ أَعْلَنَ الدَّلَّالُ أَنَّهَا لِمَوْلَاهُ، وَقَدَّمَهَا لَهُ فَنَقَدَهُ الشَّيْخُ ثَلَاثَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ دِينَارًا، وَمَضَى بِهِمَا وَهُمَا لَا يَكَادَانِ يُصَدِّقَانِ مِنَ الْفَرَحِ أَنَّهُمَا قَدْ نَجَوَا مِنْ خَطَرِ الِافْتِرَاقِ.

